مراجعة رواية “قلعة الملح” للروائي السوري “ثائر الناشف”.
هل نحن جيناتٌ محكومةٌ بالماضي، أم نحن محضُ صدفةٍ جغرافية؟
يطرح هذا العمل الروائي سؤال الكينونة والهويّة في أبهى تجلياته، ويضعنا أمام الانحياز الغريزي للأصول والأجداد باعتبارها امتداداً تاريخيّاً ومشيمةً روحية قد لا يغادرها المرء كلّ حياته..
☆☆ في هذه الرواية ينسلّ “سامي” من بين قوافل اللاجئين الهاربين من رحى الحرب في سورية ليصل إلى النمسا حاملاً حقيبة الرعاية الإجتماعية، وبفضل هذه المهنة التي اختارته بدلاً من أن يختارها يجد نفسه في بيوتٍ مغلقة يسكنها العجائز وتفوح منها رائحة الذكريات العتيقة؛ ومن خلال معونته لهم تنشأ بينهم صداقة واضحة فيصير أمامهم كالتلميذ في محراب الحياة حيث يتعلم منهم ما فاته من فلسفة الدنيا وحقيقتها وما لم تدوّنه كتب دراسته الأكاديمية في الفكر الفلسفي المعاصر…
في تلك الجلسات يشرع “سامي” نوافذ حياته القلقة أمام الفيلسوف الألماني “جولد شتاينر” وزوجته، ويسرد لهم فصولاً من حياته في حلب والرقة وبيروت، ويحكي لهم عن أبيه الشهيد، ثم عن زوجته التي انفصلت عنه مستأثرةً بولديه، وفي كل حديثٍ وجلسةٍ يقابل “سامي” مواقف حياته بمرايا تجارب الفيسلوف وحنكته، فيدرك من خلال كلماتهم المُقطّرة بالخبرة أنّ الغد ليس شبحاً نخاف منه طالما نستطيع صنعه بالصبر والرضى..
سنكتشف في فصول الرواية أنّ جدّ “سامي” رقيبٌ في الجيش النازي وقد آثر الهرب من رحى معركة ستالينغراد إلى أصقاعٍ نائيةٍ قبل أن يعمل بنصيحة صديقه/سجّانه الداغستاني بالرحيل إلى سورية والاستقرار فيها، وهذا ما كان منه..
في رحلة لجوئه من سورية إلى النمسا يحمل “سامي” مذكرات جدّه “شتيفان فالتر” وبقدر ما كانت هذه المذكرات عالةً عليه؛ كانت تربطه بأصوله الجرمانية، ويعدّها وثيقةً تثبت (له على الأقل) أنّ سورية كانت في عهدٍ مضى ملجأ طلاب السلام والعيش الهانئ المشترك..
☆☆ أحبّ أن أشارك القارئ بعض الملاحظات السريعة حول الرواية:
في الرواية حضورٌ واضحٌ للجوء، السفر طلباً للسلام، رحلة “سامي” من بيروت إلى تركيا ومنها إلى الجزر اليونانية؛ هي رحلة مكتوبة بنفسٍ عالٍ من الإحساس الصادق يجعل القارئ لايشكّ لحظةً أنّ الكاتب يحكي سيرة رحلته ولجوئه..وبالتوازي معها رحلة الجدّ “شتيفان فالتر” في خطٍ معاكس من أوروبا إلى سورية وزواجه فيها وتكوينه شجرة عائلة يكون “سامي” أحد فروعها..
أحببتُ لقاء “سامي” بجدّه في أحد مناماته حيث كان الجدّ في حلب، في دار عربيّ متهالكة، وبأسمالٍ مهترئةٍ بالية، كان كلّ شيءٍ في الرؤيا يشبه حلب التي مزّقتها الحرب، حتى لحية الجدّ وصفها الكاتب بأنها (شهباء) وهي صفة حلب ولقبها الأثير.
أحببت في الرواية أصناف العجائز التي قابلها “سامي” خلال زياراته لهم أثناء عمله في الرعاية الإجتماعية، منهم السيد “باستل”، والنمساوية العجوز التي تتذبذب بين مشاعر الحب ونكرانها، فمرّةً تخبره بحبها له ثم يعاودها الوعي فتنكر، هي والحال هذه تعيش بين مشاعر متناقضة بين ما كانت تتمناه وما آل إليه حالها..
مع فصول النهاية نستشعر أنّ حياة “سامي” تلجّ في عالمٍ هلاميٍّ متسارع، وهنا تأتي مذكرات جدّه لتمنحه شعوراً بالطمأنينة والارتباط الجذري بالهوية، وإنّ قراءة التاريخ الشخصي لجدّ العائلة سيعيد ترتيب فوضى حياة الحفيد وكأنها بوصلة أخلاقية وإنسانية صاغتها الأيام والتجارب..
في هذه المذكرات دلائل إدانةٍ للجدّ، وفيها خيباتٌ كثيرة وانتصاراتٌ صغيرة انتقلت كلها عبر الحبر لتستقرّ في وجدان الحفيد “سامي”؛ فيصير بحمله هذه المذكرات وتعلّمه منها حارساً لإرث السلالة ومؤتمناً عليها، وأنّ هجرة جدّة من أوروبا إلى سورية، ثم هجرة “سامي” بطريقٍ معاكسةٍ من سورية إلى أوروبا يثبت مرةً أخرى أنّ (الدنيا دوّارة) وأننا نرى في مرآة الماضي ملامح حاضرنا..
☆☆ مجمل القول: هذه رواية عن الأرومة والهوية ورسوخ الجذور والصداقات المتينة، بمقابل علاقاتنا الإجتماعية الحاضرة التي يحكمها الظمأ العاطفي، وهي روايةٌ عن غصّة الاغتراب التي قد تصيب المرء وهو في عقر داره، وتذكّرنا بأنّ رابطة الدم، بعد انحسار الألفة، ما هي إلا (قلعةٌ من ملح) تنهار مع أول موجة جفاء ثم لايبقى منها إلا ملوحة الدمع..
● قلعة الملح
● ثائر الناشف
● دار الزمان للطباعة والنشر، 2025.
● الطبعة الأولى، 202 صفحة.