مراجعة رواية “الكراكي تطير جنوباً” للسويدية “ليسا ردزين”.
يساورني شعورٌ دائم بأنّ أعمارنا رحلةٌ قصيرة تضيقُ ذرعاً أمام فيضِ الكتب والمكتبات التي تورقُ أبداً بما يغرينا بجماله، ودون أنّ نجد في العمر فسحةً لقراءة ما ننوي قراءته، لذلك كان حتماً على من استبدّ به غرام الورق، على شاكلتي، أن يأخذ بنصائح القرّاء والكتّاب الذين يثق بذائقتهم.
هذه الرواية أشاد بها كاتبان مبدعان أثق برأيهما (بثينة عيسى، ومحمد سمير ندا)، عدا عن الإشادات الدولية والجوائز العالمية التي حازت بها، وخاصةً أنّه العمل الأول لهذه الكاتبة السويدية الشابة “ليسا ردزين”..
☆ تدور هذه الرواية التأمّلية في فضاء بيتٍ سويديٍ عتيق، شاخ البيت وأصحابه وتداعت أركانه وسقفه كما عظام بطل الرواية، يغدو الزمن في هذا البيت هامشيّاً حيث يشبه الصباح المساء، والوحدة هي التوقيت الوحيد المعتمد. البطل العجوز “بو” يعيش على وقع التداعي، فكل غرضٍ في البيت هو مِقدحة لذاكرةٍ خامدة، وكل ركنٍ هو شاهدُ إثبات على حياةٍ كانت تعجُّ بالصخب قبل أن يبتلعها الصمت.
أغلب الرواية مونولوجٌ داخليٌّ يخاطب به العجوز زوجته البعيدة “فريدريكا” والتي أنهكها الخرف، يسترجع معها المواقف ويحوّلها إلى تجلّياتٍ حسّيّة، فنراه تارةً يشمّ عطر الغائبة في رداءٍ قديم، ويسمع تارةً أخرى ضحكاتٍ تلاشت منذ عقود في صرير بابٍ متهالك أو لعبةٍ دثّرها غبار الأيام..
على عكس “هانس” ابن بطل الرواية الشاب العاق الغائب/الحاضر، يبرز الكلب كشخصيةٍ محوريّة، هو المعادل الموضوعي للوفاء الذي افتقده الأب من ابنه وذويه. يتعلق العجوز بكلبه (سكستين) ويرى فيه بقايا حضوره وإنسانيّته،(نعم، إنسانيّته وربما تعمّدت الكاتبة مثل هذا النقيض)، كان الشغل الشاغل للعجوز “بو” هو مآل الكلب بعد موته، إذ يخشى أن يُرمى في أحد دور الرفق بالحيوان! أمّا مصابه الأكبر فقد كان تهديد ابنه “هانس” بنزع حضانة الكلب منه وهو لايزال على قيد الحياة!
☆ في الرواية حضورٌ واضحٌ لفريق الرعاية الطبية والإجتماعية، لا أخفيكم أنّ القارئ سيشعر بالكآبة في ليالي السويد الطويلة وسيبقى منتظراً طلوع النهار ليأتيَ أحد فريق الرعاية حيث ينجلي بحضورهم الملل والرتابة وتصير كلماتهم ضمادات للروح قبل الجسد..
إنّ حضور فريق الرعاية بشكل يومي لرعاية المسنين في بيوتهم وظيفة حكومية هامة في بلدان الغرب وهي تعزّز مفهوم المجتمع بصفته جسداً واحداً، إنّ مثل هذه الوظيفة الخدمية، والتي نفتقدها بشكلٍ واضحٍ في غالبية بلداننا العربية، تحجب الفارق بين الغنيّ والفقير، وإن كان بشكلٍ نسبي، وتُبقي المريض العجوز متمتّعاً بكرامته واستقراره في بيته.
☆ مجمل الرأي حول الرواية: هذا عملٌ أدبيٌّ يستند إلى ثيمة التلاشي، الفقد، خريف العمر، والعزلة، تضعنا الكاتبة وجهاً لوجه أمام حقيقتنا العارية: ماذا سيبقى منّا حين تنطفئ الأضواء ويغادر الجميع؟
لقد نجحت الكاتبة في جعلنا لا نشفق على البطل بقدر ما نتوحد معه، نتحسس ندوبه وتجاعيد وجهه في مرآتنا، ونسمع وقع خطوات كلبه خلفنا، إنها مرثيةٌ بليغة للإنسان في مواجهة الزمن، وحكاية حبٍ ووفاءٍ لرفيقٍ ليس بشريّاً؛ هو حيوانٌ لكنّه لم يخن يوماً عهد الخبز والملح.
● الكراكي تطير جنوباً
● ليسا ردزين
● ترجمة: ابراهيم عبد الملك
● منشورات تكوين 2025، 414 صفحة.