لم نأكل التفاح

قراءة في رواية “لم نأكل التفاح” للروائية السورية “ريما بالي”.


تروي لنا “ريما بالي” في أحدث أعمالها حكاية الذين وقفوا أمام الشجرة ولم يمدّوا أيديَهم إليها، الذين وقفوا في منتصف المسافة بين رغبةٍ جامحة وزهدٍ مفروض؛ فعاشوا مرارة الحرمان ممزوجاً بالقداسة والطهر.

في الرواية ثلاث ركائز، أو رموز أساسية بَنَت الكاتبة عليها روايتها وهي: رمزية التفاح، الزلزال، وقراءة الفنجان تعبيراً عن التمسّك بأملٍ غيبيٍّ قد لا يأتي.. ومن خلال هذه الرموز تتشظى شخصية بطلة الرواية إلى شخصياتٍ عدّة حيث تحكي لنا كلّ واحدةٍ منهنّ واقعها وآلامها وحرمانها، وأكثر من ذلك: يصير حتماً على القارئ أن يرى ظلّ بطلة الرواية يطلّ عليه في كلّ عنصٍر أنثويٍّ يمرّ به خلال فصول العمل (دنيا، منى، لقاء، نداء…وغيرهن).


☆ في رمزية التفاح دلالاتٍ عميقة تتجاوز المفهوم التقليدي للخطيئة؛ أجده هنا يمثّل الفرصة الضائعة، الثمرة المعلّقة في سقف الروح، والعصيّة على التذوّق والحاضرة في كلّ ألم. وهي لاتمثّل هنا الخروج من الفردوس بقدر ما تعبّر عن بداية التيه والجوع الابدي للخلاص، وترميزاً للحياة المؤجلة التي يراقبها الأبطال دون أن يتمكنوا من عيشها/تذوقها.


☆ استخدمت الكاتبة الزلزال بصفته رمزاً للتغيير الجذري؛ فهو يحطم الثوابت المادية والنفسيّة للشخصيات، ويجبرها على مواجهة مخاوفها الدفينة أو إعادة بناء هويتها من الركام. لم توظف الكاتبة هذا الحدث بصفته أداةً سرديّة بل استخدمته كنقطة علّامٍ ثابتة؛ ما يجعل ما بعد الزلزال مرحلة مختلفة تماماً عما قبله.


في رمزية الفنجان، لا تبحث البطلة عن إجاباتٍ، لكنّها تعكس صراعاً داخلياً بين رغبتها في السيطرة على قدرها (وقدر زبائنها) وخوفها من المجهول، حيث عمل “التبصير” كمرآة لهواجسها الباطنة أكثر من كونه نبوءةً ظنّية.
☆ وأقدّم للقارئ هنا ملاحظاتٍ سريعة حول الرواية؛ تلفت النظر ويمكن الوقوف عندها:

  • ركّزت الكاتبة على الأثر النفسي لكلّ حدثٍ وموقف، لم يكن الحدث غايةً بذاته بل جعلته الكاتبة مطيةً لربط الفعل بمنظومةٍ من العقد النفسية والمخاوف الدفينة التي أعادت تشكيل هوية الشخوص، مايدفعنا لتصنيفها رواية نفسية بامتياز.
  • الحوار الوجداني المكثف (المونولوج الداخلي) والحكي بلسان امرأةٍ تعاني نوعاً من الفصام المتقدّم؛ يوحي بأنّ الكاتبة قضت، بالفعل، زمناً رفقة مرضى من هذا النوع، وقد أبدعت في تشكيل هذه الحالة النفسية الصعبة والغامضة.
  • عرفتُ من خلال الرواية أنّ لقراءة الفنجان اسماً معترفاً به هو (التاسيوغرافي)، ورغم أنّه لايخرج عن كونه ممارسةٌ تعتمد على التخمين والزيف إلا أنّ الكاتبة استطاعت أن تستخدم هذه الرمزية البصرية (الخطوط المتعرجة، الوجوه، الأشباح! الرسوم في قعر الفنجان ووسطه وحوافه) لتشير إلى الأثر النفسي وانفعالات الشخصية تجاه ما يمرّ بها ومعها.

  • ☆ بالمجمل، هذه رواية نفسيّة من الطراز الأول، تحكيها البطلة كأنها تتمشى في أروقة الذاكرة المنسية وقد أدركت أخيراً أن الحياة ليست بكل هذه الدهشة والجمال؛ إنما هي سلسلة انكساراتٍ متوالية، كالسمّ الزعاف الذي ينتظر من تغريه أولاً حمرة التفاح.

  • ● لم نأكل التفاح
    ● ريما بالي
    ● دار مسكلياني
    ● الطبعة الأولى 2025, 205 صفحة.