مراجعة رواية “جلعاد” للروائية “مارلين روبنسون”.
الرواية الحائزة على جائزة “بوليتزر” عام 2005.
☆☆ أعتقد أنّ جائزة “بوليتزر” من الجوائز الأدبية القليلة التي حافظت على حيادها وإنصافها، وهذه الرواية التي نالت الجائزة عام 2005 قد بلغت من الكمال الفني والأدبي غايته، أو كادت. ولا أبالغ أنها ذكرتني في مطارح كثيرة بالسِفر الأدبي الباذخ لجبران (النبي)؛ دون أن أجعل من ذلك مقارنةً أو مشابهة، فالنبي عملٌ لم ولن يتكرر..
تدور أحداث هذه الرواية في بلدة مُتخيّلة اسمها “جلعاد” في ولاية “آيوا” الأمريكية في خمسينيات القرن الماضي، وتأتي في قالب رسالة مطوّلة يكتبها القس المُسن “جون أميس” لابنه الصغير الذي لم يتجاوز السابعة والذي رُزِق به على كبر، إدراكاً منه أنّ قلبه العليل لن يمهله حتى يرى ابنه رجلاً.
في هذه الرواية يقدّم الأب خلاصة حياته وتجاربه والدروس التي تعلمها من الحياة، فهي تشكّل بالمجمل ميراثاً معنويّاً يرثه الولد من أبيه حيث يكون هذا الميراث وحده الخيط الوجداني الوحيد الذي يربط بين أبٍ راحلٍ وابنٍ مستأنفٍ للحياة.
☆ تتجلى عبقرية الكاتبة “مارلين روبنسون” (التي لم أقرأ لها سابقاً) في استحضارها لتاريخ عائلة “أميس” عبر ثلاثة أجيال من القساوسة، مصورةً التباين الحاد في فهم الإيمان:
- الجد: كان ثائراً مسيحياً، يؤمن بـ “إنجيل القوة” والعدالة الاجتماعية، حمل السلاح في سبيل تحرير العبيد، ورأى في الحرب ممارسةً مقدسة.
- الأب: كان داعٍ إلى السّلام، حيث يرى في العنف خطيئة كبرى مهما كانت المبررات، مما خلق فجوة من سوء الفهم مع والده.
- الحفيد: يقف في منطقة وسطى، يتأمل هذا الإرث المثقل بالتناقضات، باحثاً عن السكينة في “جلعاد”؛ تلك البلدة الهادئة التي تبدو وكأنها خارج حدود الزمن.
تتميز الرواية بلغةٍ صوفية شاعرية النبرة، وقد أحسن المترجم “سامر أبو هواش” في ترجمتها دون أن تفقد اللغة بريقها، حيث ارتقى بالنصيحة والموعظة العادية إلى مصاف المقدسات مستعيناً بالجملة القصيرة والمكثفة ذات المعنى الرحب الفسيح دون إخلالٍ بالنص الأصل.
“جلعاد” رواية خالية من الأحداث، وخالية أيضاً من الحبكة التقليدية، فهي بذلك ترفض الصخب، وتنحاز إلى الدهشة الهادئة مؤكدةً أن المعنى لايكمن بالضرورة في الحبكات المعقدة ولا في الأحداث الجِسام، بقدر ما يكمن في قدرتنا على إبصار الحكمة بقلوبنا وقدرتنا على تطبيقها في حياتنا اليومية.
أحببتُ في الرواية شخصية “جاك بوتون”، ابن صديق العمر، الذي يمثل التحدّي الأخلاقي الأكبر لـ “أميس”. جاك هو الشخص الذي يحمل آثامه وأحزانه ويعود بها إلى البلدة، ليجد “أميس” نفسه في صراعٍ داخلي: هل يستطيع أن يمنح الغفران الصادق لهذا الشاب المتهوّر الذي يذكره بفشله وبمخاوفه؟ وهنا تطرح الرواية سؤالاً وجودياً أكبر: هل المسامحة والمغفرة فعلٌ إرادي نستطيعه ونمارسه، أم هو نعمة إلهية لاطاقة لنا بها تنزل على القلب لتطهّره من ضغائن الماضي؟
إذن.. هذه رواية تتحدث عن خلاصة العمر وتجربتها كما يرويها الأب إلى الابن؛ ليغنيه عن خوض غمار التجربة والحياة و ليجعله يخطو فوق الأشواك التي داسها هو قبله ليحميه، ما استطاع، من غوائل الدهر وتقلباته..
● جلعاد.
● مارلين روبنسون.
● ترجمة: سامر أبو هوّاش.
● دار الوثائق الورقية.
● الطبعة الأولى 2024، 323 صفحة.