منام القيلولة

مراجعة رواية “منام القيلولة” للكاتب الجزائري “أمين الزاوي”. كتبها: حسين قاطرجي.
القائمة القصيرة لجائزة البوكر 2026.

تتناول هذه الرواية فترةً قريبةً من تاريخ الجزائر المعاصر وهي ما اصطُلح على تسميتها “العشرية السوداء” وهي الفترة بين عامَي (2002-1991) عندما حقق حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزاً ساحقاً في الدور الأول من انتخاباتٍ تشريعية تعدديّة؛ أثار هذا الفوز حفيظة الجيش فألغى نتيجة الانتخابات ومنع تشكيل حكومة إسلامية؛ فاندلعت إثر هذا الانقلاب حربٌ أهليةٌ دامية استمرّت عشرة أعوام.

بين قريتي ينبو وأعنان الجزائريتين تبدأ الرواية بحكايةٍ مثيرة عن “لالّة مسعودة القارح” الزوجة النبيلة والوفيّة لزوجها “حميد النوري” والتي طمع بها “سليمان الأعوج” فاختلق قصةً تشوّه سيرة زوجها لتنبو عينها منه، لكنها رفضت هذا البهتان فذبحت “سليمان الأعوج” ذبح النعاج وانطلقت رفقة أبنائها الثلاثة إلى البيت الكبير لتعيش هناك في كنف سيدي مولاي “عبد الله القارح” رئيس فرقة مقرئي الجنائز.

يشهد ابنها “إدريس الغول” ليلة الذبح فيفقد عقله ويأتي بأفعالٍ مخزية ليس آخرها محاولاته المتعدّدة لذبح أخته “حليمة” دونما سببٍ واضح إلا غشاوة عقله واضطرابه.

تتزوج “حليمة” وتنتقل إلى “وهران” ويبقى خيال أخيها “إدريس الغول” يلاحقها ويصير هاجساً يعذّبها وينغّص عليها حياتها. وهناك تكتشف الفرق بين حياة الريف والمدينة وطبائع أهل الحضر والبادية، وعند هذا الجزء من الرواية وما خلفه نجد بلادة الكاتب (عذراً) في تقرير أفكارٍ مكرّرة مضى عليها زمان وزمان.

أراد الكاتب، وتحديداً في النصف الثاني من الرواية، إشهار علمانيته؛ فأسقط الرواية في فخ الأدلجة والتنميط فكرّر ماقيل ويُقال عن الجماعات المتطرفة وما يُكال إليها من اتهاماتٍ حول الشبق الجنسي والتحرّش بالأطفال، ثمّ ألحّ في تمجيد الخمرة وغيرها من السمات المعلّبة التي تحكي عن الجهل بدلاً من تفكيكه وتدلّ على عجز الكاتب عن النفاذ إلى جوهر الأشياء.

لا أنكر أنّ تعدّد الأصوات في الرواية أرهقني، وكنت أفضّل لو اكتفى الكاتب بصوت الراوي العليم لأنّ ذلك أخيرُ من أن تلقننا بعض الشخصيات التي تتناوب السرد دروساً في الاخلاق والسياسة مما يحيل النص إلى “منشور حزبي” مغلف بغلاف أدبي زائف.

استخدم الكاتب (لغة تبريرية) حيث تتحوّل البلاغة من أداة للكشف والبيان إلى أداة للتبرير والترويج، فتفقد اللغة عذريتها وتصبح مثقلة بحمولات غريبة عن جسد الأدب، ولأنّنا عرفنا غرض الكاتب من روايته (وهو تكرار التهم لجبهة الإنقاذ وتحميلها مسؤولية العشرية السوداء) فإنّ ذلك يُغيّب الدهشة وتصير الرواية مجرد سياقاتٍ حكواتية لاننتظر منها إلا أن تنتهي.

☆ مقتبسان من الرواية توضّح ماسبق:

¤ ❞ شيئاً فشيئاً دخلت البلاد في فوضى أمنية، ثم في تعددية سياسية غير ناضجة، نُظمت انتخابات بلدية جديدة وفاز الحزب الإسلامي بغالبية البلديات على المستوى الوطني، تقدم عبد القادر المخ للانتخابات كمُترشِّح مستقل فأُعيد انتخابه بأغلبية كبيرة، على الرغم من عمليات التزوير والتهديد وشراء الأصوات التي تعرَّض لها الناخبون من قِبل الحزب الإسلامي المهيمن. ❝

¤ ❞ اختفت المخلوقات التي كانت تعمر حديقة الحرية، وجاء آخرون رجالًا ونساء بألبسة غريبة فاستعمروها، نصبوا فيها بعض الخيام ورفعوا فوق سطح عمارتنا مُكبِّرات الصوت يتحدثون من خلاله لساكنة الحي، قائلين بلغة عربية فصيحة إنهم قَدِموا من القرى والمداشر لحماية الإسلام وإعادة البلديات الإسلامية إلى مستحقيها وتحرير المدن من رجس الكفار والاشتراكيين والشيوعيين والعِلْمَانيِّين، هؤلاء جميعًا يتزوجون أخواتهم.❝

إنّ الروائي الحقّ هو من يمنح شخصيّاته حق العصيان على أفكاره الشخصيّة، وهو من يقتحم منطقة الرمادي الفاصلة بين الأبيض والأسود أما الرواية المؤدلجة الغارقة في التنميط فما هي إلا جثة أدبية ولدت ميتة؛ وأنا هنا لا أعدّ (منام القيلولة) بكلّ هذا السّوء لكنّ حرص “الزاوي” على إثبات علمانيّته أدّى به إلى اغتيال روح النّصّ وجماليّته.

☆ من فضائل الرواية تمرير الكاتب لمفردات من المحكية الجزائرية تطعّم النص بجمالية اصطلاحات أهل البلد دون أن تتعب القارئ غير الجزائري، ومنها إتيان الكاتب لبعض العادات والتقاليد الموروثة المحبّبة التي تقرّب القارئ من بيئة الرواية.

وأهم ممّا سبق فإنّ الرواية تذكّرنا بعقدٍ أسود مرّ بتاريخ وطننا العربي لعلنا نحذر من تكراره ولايبدو أننا سنفعل. ذلك أنّنا نحن معشر العرب قلّ ما تعلمنا من دروس التاريخ وكأنّنا على ميعادٍ أزليٍّ مع النسيان، وها هي سورية تقف شاهداً عدلاً على فصولٍ مشابهة لعشرية الجزائر السوداء التي نقتات على ذكراها دون أن نهضم العبرة وكأنّنا مصابون بعُقم التعلم من دروس الأقارب ومِحن أزمنتهم ولانجيد إلا رسم الخيبات بذات اليد التي أضاعت الطريق.

● منام القيلولة
● أمين الزاوي
● دار العين للنشر
● الطبعة الأولى 2025، 256 صفحة.