مراجعة رواية “ملذات طوكيو” للياباني “دوريان سوكيغاوا”
عندما نذكر اليابان نذكر أساسياتٍ تترسّخ في الوجدان والعقلية اليابانية، أهمها: قيمة العمل والاجتهاد المخلص فيه، واحترام الكبار والسعي لاكتساب خبراتهم. يركّز الروائي “سوكيغاوا” على هذين العنصرين من خلال حكايةٍ بسيطة عن صناعة حلوى يابانية عريقة اسمها “دورياكي”.
في الرواية يُدير “سينتارو” محلاً لبيع فطائر الدورياكي اليابانية، يعاني المتجر من انخفاضٍ كبيرٍ في أرقام المبيعات رغم أن “سينتارو” يبذل قصارى جهده في تحسين منتجه والترويج لها.
تفرض العجوز “توكي” نفسها عليه وتبدأ بعرض خدماتها بعد أن صارحته بخبرتها الطويلة في صناعة هذه الفطائر والتي تمتد لأكثر من خمسين عاماً.
بعد أن قرر “سينتارو” توظيف العجوز “توكي” بدأ يشهد تحولًا جذريًا في طريقة عمله وتفكيره. حيث أن “توكي” وعلى الرغم من تقدمها في العمر وصعوبة حركتها، تنقل “لسينتارو” أسرار صناعة هذه الحلوى، مؤكدةً على أهمية الحب والدقة في كل خطوة من خطوات التحضير.
المشكلة الوحيدة التي واجهت “سينتارو” هي أصابع العجوز “توكي” المشوّهة نتيجة إصابتها بداء الجذام الذي عانت منه اليابان سنواتٍ طويلة قبل أن تتعافى منه البلاد ويبقى الداء ذكرى سيئة يحكيها الأجداد المتعافين. هذه الأصابع التي حاول “سينتارو” إخفاءها عن عيون المرتادين بلا جدوى.
كانت “توكي” تعيد تعريف الحرفيّة وتعلم “سينتارو” كيفية رؤية كل حبة “دورايكي” كعمل فني، وليس مجرد منتج يباع. تدريجيّاً، بدأ الزبائن في التوافد على المتجر بشكل متزايد. أصبح المحل ليس فقط وجهةً لشراء الحلوى، بل أيضًا مكانًا للاستمتاع بتجربة فريدة تتسم بجودة المكونات وطريقة التحضير الدقيقة المعزّزة بالحب.
بدأت شهرة المحل تنتشر بين عشاق الحلوى التقليدية، مما جعل “سينتارو” و”توكي” مشهورين في أوساط مجتمع طوكيو وتنتقل علاقتهما إلى أكثر من صداقة العمل..
أرى سلبيّتين في الرواية: تركيز الكاتب على علاقة “سينتارو” بأمه يوحي بأن للقصة بقية وأنّ ظهور هذه الأم سيأتي لاحقاً في نهاية الرواية ولكن دون جدوى، إقحام قصة سجن “سينتارو” جاء بلا فائدة تخدم الحكاية. ويمكنني أن أضيف: الإطالة الواضحة في طريقة صنع الفطائر يبعث في بعض الفصول على الملل.
أخيراً أوجز القول بأنّ الرواية يابانيّة بامتياز، هي تجسيدٌ لجماليات الحِرف التقليدية والإنسانية التي تربط بين الأجيال المختلفة. من خلال هذه التجربة، تعلم “سينتارو” أيضًا قيمة التواصل الإنساني والعلاقات التي تنشأ من العمل والشغف المشترك، الأمر الذي أثّر على حياته بشكل عميق. يمكن القول إن رحلة “سينتارو” مع “توكي” تمثل أكثر من مجرد قصة عن الحلوى. إنها تأمّلٌ عميقٌ في الحياة، الحب، والشغف، وكيف يمكن للحرفيّة الحقيقية أن تجلب التغيير الإيجابي إلى حياة الأفراد. لقد أصبحت محلات “الدورايكي” في اليابان تجسّد هذه الفلسفة التي تجمع بين التقليد والتجديد، مقدمةً للمجتمع تجربة تستحق الذكر.
● ملذات طوكيو
● دوريان سوكيغاوا
● المركز الثقافي العربي
● ترجمة: حسين عمر، الطبعة الثالثة، 2022