مراجعة رواية “الحقيبة” للكاتب الروسي “سيرغي دوفلاتوف”، ترجمة: جودت هوشيار
ليس يغري قارئاً مثلي بقدر روايةٍ روسيةٍ لأديبٍ شهيرٍ في بلده، لكن لم يصلنا من أعماله إلا النزر اليسير.
يُعدّ “سيرغي دوفلاتوف” أحد أعمدة الرواية الروسية المعاصرة لكنّنا في الوطن العربي لانزال نعيش حقبة العصر الذهبي للأدب الروسي (ديستوفسكي وشيعته الكبار) ويندر أن يلتفت القرّاء العرب إلى سواهم؛ وهذا ظلمٌ بيّنٌ لايجوز، إذ أنّ في الأدب الروسي المعاصر ما يثبت لنا دوماً بأنّه قادرٌ على المنافسة، واستحضار الإعجاب والإدهاش عند كل القرّاء.
الكاتب الروسي “سيرغي دوفلاتوف” كما يحدّثنا عنه مترجمو أعماله، رجلٌ صريح العبارة لايداهن، يورّطه قلمه في مشاكل كثيرة مع الحكومات الروسية المتعاقبة ليس أقلها منع أعماله من الطباعة ثمّ التضييق على حركته ومراقبته، حتى اضطرّ الرجل أخيراً لهجرة الوطن تاركاً وراءه كلّ شيءٍ في سبيل الحريّة.
الحقيبة رواية ساخرة، لكنها سخرية جارحة، مؤلمة، تغصّ بالأحزان، تدفعنا هذه السخرية الحادّة إلى التأمّل العميق في حياتنا وما جنيناه في أعمارنا. فبطل الرواية وهو الكاتب ذاته، يحمل في هجرته البعيدة حقيبة واحدة هي خلاصة عمله الطويل وليالٍ من السهر والإجهاد والعمل الدؤوب. هو ينظر إلى هذه الحقيبة بصفتها حصيلة عمره وعمله وفيها خلاصة جهده. لقد وضع في هذه الحقيبة أشياءه الثمينة التي تحصّلها بعد سنواتٍ من العمل والسفر وذكرياتٍ من حيثما مرّ واستقر.
سيظنّ القارئ أنّ في حقيبة المرتحل كنوزاً شتّى، والواقع المدهش أنها لاتحوي سوى ذكرياتٍ، أو أشياء لاقيمة لها مقابل الذكرى التي يستحضرها الكاتب مع كل شيءٍ حوته هذه الحقيبة. سنجد فيها: جوارب فنلندية، وحذاء نصفي، وبزّة مزدوجة الصدر، حزام ضابط، سترة نوع فرناند ليجيه، قميص بوبلين، قبعة شتوية، وقفازات سائق.
يقطّع الكاتب روايته إلى فصولٍ عنوَنَ كلّ فصلٍ منها بإسم أحد موجودات الحقيبة، ثم يسرد لنا حكاية هذه (الغَرَض) وكيف صار بحوزته، والذكرى التي بقيت من سنواته الماضية والتي لم يعد يربطه بها سوى هذا الشيء عديم القيمة..
أحببتُ في هذه الرواية طريقة الكاتب في بثّه الذكريات من خلال أشياء رخيصة، عادية. والمتأمّل النبيه يدرك أنّ هذا واقع الحياة أصلاً! ألا تسكن ذكرياتنا في أوراقَ مهملةٍ رسمنا عليها عندما كنا صغاراً، أو قماشةٍ بالية تدفّئنا بها في ليالٍ شاتية بعيدة، والجدّات يهزأن ضاحكاتٍ من خوفنا من هزيم الرعود، ألا تسترجع لنا لعبةٌ مكسورة قصصاً من طفولتنا البعيدة، وألا يذكّرنا رنين النحاس بأساور جداتنا وهنّ يطبخن ويخبزن.. لقد استطاع الكاتب بحرفيّةٍ بالغة تصوير هذه الحالات وحشدها بأنين الحنين وجعل منها لوحاتٍ تروي قصص حياةٍ ملأى بالشجن والحبّ والأمل.
• الحقيبة
• سيرغي دوفلاتوف
• الهيئة العامة السورية للكتاب
.• الطبعة الأولى، 2024، 183 صفحة من القطع الكبير