سوق الدهشة

مراجعة رواية “سوق الدهشة” للأديب والباحث الكبير “د.محمد جمال طحان”. كتبها: حسين قاطرجي.

من المؤكد أنّ الحديث عن الثورة السورية يعدّ موضوعاً يتطلّب فهماً عميقاً واستيعاباً شاملاً، وأفضل من يتحدّث عنها هم ،بالتأكيد، من عايشوها وعاصروا أحداثها بشكلٍ مباشر. إنّ أولئك الذين كانوا شهوداً على لحظاتها الحرجة وشاركوا فيها بكلّ ما يملكون من قوةٍ وإصرار هم الأجدر بنقل الصورة الحقيقية لما جرى، تلك الصورة التي تتجاوز كل ما يمكن أن تدوّنه الأقلام وتحفظه الكتب.

يسرد لنا الكاتب تجربةً واقعيةً وملموسةً من حياة البطل الثائر “رفعت”، وذلك من خلال نقل تفاصيل حياته اليومية التي طالما تغيّرت وتبدّلت تحت وطأة الأحداث، يوهمنا الكاتب بدايةً أنّ أيام الاعتقال التي قضاها هذا الثائر في السجن وحرمته أهله وحرّيته كانت كفيلةً بأن تصنع منه رجلاً مستسلماً، خاضعاً، متواطئاً مع الظالم هيبةً من جبروته وانتقامه، لكن أنّى للظالم أن يطمس بذور الثورة من قلوب الأبطال!! من هنا تنطلق بنا الرواية لتحدُثنا عن التضحيات الجسيمة التي قُدّمت من أجل تحقيق التغيير المنشود، دون أن تكون الرواية سرداً للأحداث فحسب بل تحمل في طيّاتها مشاعر كلّ من عايش تلك اللحظات، بما تحمله من أملٍ وتوترٍ وخوفٍ وشجاعة.

يسلط الكاتب “محمد جمال طحان” الضوء على تفاصيل مرّت بالمجتمع السوري عامةً والحلبي خاصةً يذكرها كلّ من كان يقيم في المدينة أو يتتبّع أخبارها، من مثل حفر الأنفاق لتفجير أصنام الطاغية المزروعة في الساحات العامة ونثر المنشورات التي تحوي عباراتٍ ثورية وتحفيزية عبر بالونات تُطلق في سماء المدينة وغيرها من المُنجزات أو العقبات التي حاولوا تجاوزها. كما قدّم الكاتب من خلال شخصياته الثورية تحليلاتٍ دقيقةٍ تتعلق بالتواطئ الدولي والدعم الخفي للنظام البائد والتي تعتمد على معلوماتٍ أصيلةٍ مُستقاة من تجربته الشخصية منذ بدايات الثورة التي كان أحد مُطلقي وداعمي شرارتها الأولى.

إنّ أهميّة هذه الرواية لا تقتصر على توثيق الأحداث فقط، بل تسهم أيضاً في تسليط الضوء على النواحي الاجتماعيّة والثقافيّة التي تأثّرت بشدّة بفعل الصراع؛ من خلال الشخصيات التي تعكس التشكيلة الاجتماعية المتنوّعة في سورية، تقدم الرواية صورة شاملة للمجتمع السوري في ظل الثورة. وعليه، يمكن اعتبار هذا العمل الأدبي أرشيفاً حيّاً لتلك المرحلة التاريخية، يساعد الأجيال القادمة بالتعرّف على الحقائق وتجارب الأفراد خلال الثورة.

لقد استثمر الكاتب، بشكلٍ فاعلٍ، شهادات من عايش الثورة، وبنى من شخصيّاته مجتمعاً حقيقيّاً يرسم بأمانةٍ ملامح المجتمع الحلبي إبّان إنتفاضته وتمرّده على حاكمه الجائر، كما جمع الكاتب في روايته بين رقة الأديب المرهف وعنفوان الثائر في تناغمٍ ساحرٍ ينبض بالحياة، وجعل من تصاعد الأحداث وارتقاء وتيرتها نحو عقدةٍ وحبكةٍ محكمة أثراً أشدّ تشويقاً. كما ساهم إدخال أحداثٍ غير متوقعة إلى مزيدٍ من الانفعال والحماس، وأعان في الكشف عن بعض الجوانب الخفيّة من الشخصيّات ورسم من خلالها لقطاتٍ لاتُمحى من البال منها: استشهاد “نجوى” في المعتقل، الحوار الأخير للبتول مع الرئيس الفار، تعرية الخونة (حسان، ياسمين، سامر) وافتضاح أمرهم..

عندما أمسكت زمام خيوط الرواية وعرفت أن ثيمتها الأساس هي الثورة السورية توقّعت نهايةً تشبه واقع الثورة تماماً بما في ذلك انتصارها العزيز وهذا ولّد عندي سؤالاً شغلني طيلة مدة القراءة، وهو: لماذا اختار الكاتب عنواناً فرعيّاً لروايته هو (نحو ثورةٍ جديدة) ؟؟
فأجابني عن هذا السؤال الشاغل في مشاهد الرواية الاخيرة، ولا أنكر أنّ بعض الخيال يكون أحياناً أجمل من الواقع، تماماً كنهاية هذه الرواية، التي جعل الكاتب في خاتمتها عنصر دهشةٍ آخر..

عنوان الرواية (سوق الدّهشة) ملائمٌ تماماً لفحوى الرواية ومحتواها، فعدا عن أنّه اسمٌ لسوقٍ حقيقيٍ في حلب، فإنّه يعبّر أيضاً عن الحالة النفسية والجماعية لشعب في حالة تحوّل؛ “سوق” يتضمن فكرة الحركة الدائمة والمتغيرة، حيث تتفاعل القوى المختلفة وتتبادل الأفكار والتأثيرات، في حين أن “الدهشة” توحي بالصدمة والمفاجأة، وهي مشاعر رافقت الأحداث منذ بدايتها.

جوهر القول: هذه الرواية أقرب ما تكون إلى الوثيقة التاريخية للثورة السورية” هي عملٌ أدبيٌّ يسجّل أحداث الثورة بمصداقيةٍ وعمق. وأرى فيها مصدراً ثريّاً لفهم الظروف والتحدّيات التي واجهها الشعب السوري خلال تلك الفترة المضطربة. إضافة إلى ذلك، تسلط الضوء على القصص الشخصية، والمآسي الإنسانية التي اجتاحت البلاد. وتجلّت وراءها حقيقة الثورة، وأنّ مانعيشه اليوم ليس، كما يتوهّم كثيرٌ من الناس، بأنّها نهاية الثورة، بل هي نهاية عصرٍ طويلٍ من الصمت.

● سوق الدهشة.
● د.محمد جمال طحان.
● دار الرواد للنشر، ودار الملتقى.
● الطبعة الأولى 2025.
● 449 صفحة.