أرض البارافيين

قراءة سريعة في رواية “أرض البارافيين” للكاتبة “هديل كشّور”. بقلم: حسين قاطرجي.

في هذه الرواية تأخذنا الكاتبة في رحلةٍ ساحرةٍ عبر أثير الأساطير إلى جزيرةٍ من الأسرار.

تبدأ الحكاية عندما يتسلّل الشاب “غدير” الذي يفتقد أبويه ويعيش في كنف جدّيه، إلى غرفة جدّه الخاصّة التي يحتفظ فيها بتذكاراتٍ من أسفاره ورحلات استكشافه للعالم، وفي محراب الخزانة القديمة يحظى بكتابٍ تملؤه الغرابة إذا لا يلبث أن تتشكل أمامه طيورٌ أسطورية في كلّ مرةٍ يقلّب فيها صفحات هذا الكتاب!.

لقد كانت هذه الغرفة تابوت الأسرار الأعظم بالنسبة للجدّ ، تتآكل جدرانها من وطأة الزمن وثقل الذكريات. وعلى الكتاب نقوشٌ كأنّها خيوطٌ من حكاياتٍ بائدة، وكأنّه كاهنٌ صامتٌ يحرس وديعة الأجداد، وينتظر أنامل القدر لتفتحه.

عندما حظي “غدير” بهذا الكتاب المكنون سرت فيه قشعريرة الاستكشاف، وتناوشته بروقٌ أشعرته وكأنما هواء الغرفة قد تكثّف، وبأن همس الماضي يداعبه، لم يكن يقلّب كتاباً؛ بل يفك رِباطاً سحرياً على فم التاريخ.

وما أن أفرج الكتاب عن أسراره وجد “غدير” نفسه في صحراء “تدمر” القافرة، وهناك سافر بالخيال إلى جزيرةٍ منعزلة لم تطأها قدم البشر إلا في الأحلام، وعلى تلك الجزيرة تبدأ المغامرة.

في ذلك الأفق القصيّ يلتقي “غدير” بقبيلتين تعيش الطيّبة منهما في أرض خيراتٍ باذخة وكأنها قطعةٌ من فردوسٍ منسيٌّ لم تمتدّ إليها يد التلف، وقبيلةٌ أخرى شريرة تعيش خلف الجبال يعاني أهلها جوعاً وفقراً مستديماً مايدفعهم للاعتداء الدائم على أرض الخيرات وفرض أتاواتٍ على أهلها وكأنّ هؤلاء الطيّبين أصيبوا بلعنة الجمال العظيم!.

حَفِي الطيّبون بمجيء “غدير” وأكرموا وفادته وسكن معهم في (أرض البارافيين) يتعرّف إلى طقوسهم وطبائعهم مُنتظراً قراءة مصيره والعودة إلى وطنه وحبيبته “ليلى”.

العداوةُ بين القبيلتين ليستْ مجرّد خلافٍ على أرضٍ أو صيدٍ؛ بل هي صراع قداسةٍ بين فلسفتينِ متعارضتينِ للوجود، وكلاهما يمتلك مفتاحاً لجزءٍ من الجزيرة، وكلاهما يريد أن ينفردَ باللحن الأخير على وتر مصير هذا المكان، وخلال هذا الصراع يبرز دور “غدير” وطريقة عونه للبارافيين (التي أترك كشف تفاصيلها للقارئ) في سحق تلك العداوة العميقة. وكأنّ الكتاب الذي أوصله إلى أرض السّحر لم يكن كتاباً يُقرأُ بالعين؛ بل بوصلةً لقلبه تعلّمه هو أيضاً معانٍ سامية من الحبّ والتضحية والإيثار.

☆ ملاحظات خاطفة حول الرواية:

– وددتُ لو كُتب على غلاف الرواية (رواية لليافعين) لأنّه تصنيفها الأصح.
– تمتلك الكاتبة مَلَكَةَ السّرد والخيال وعندها من أدوات القصّ ما يجعلها تقدّم أعمالاً رائجة ومتميّزة فيما لو استطاعت التعاون مع دور نشرٍ شهيرة، أو حظيت بوكيلٍ أدبيٍّ ماهر.
– في هذه الرواية مجالٌ للتوسّع والاستزادة وإضافة أبعادٍ أخرى وخطوطاً دراميةً أكثر تشعّباً، وفي كل فصلٍ منها تلوح لي فرصةً للإضافة والتّبحّر في المعاني، ولكن يبدو أن قلم الكاتبة “هديل كشور” آثر الاختزال.

مجمل القول: تقدّم هذه الرواية القيم النبيلة بنصٍّ آسرٍ بعيداً عن الطرق الجافة التي تلقّن المعاني والدّروس تلقيناً مباشراً، هي رواية تُثري المخيّلة وتجعل من رحلة القراءة متعةً مسليةً وتربويةً في آن.

● أرض البارافيين.
● هديل كشّور.
● مكتبة منهل القرّاء. 128 صفحة.
● الطبعة الأولى 2022.