مراجعة رواية “سلميّة” للكاتب السوري “أحمد علوش”. كتبها: حسين قاطرجي.
يتشابه الأصدقاء والوطن في جوهرهم، فالصّديق (أعني الصّديق الذي يليق به هذا اللقب) وطنٌ لا تقيّده حدود الجغرافيا، ومركبُ النّجاة في لجج العواصف، وهو نجم الشّمال الذي يرشد صاحبه إن حبكت حوله ظلمات التيه، وهو الكتف الذي نتكئ عليه ونتقاسم معه ملح الحياة وخبزها..
يعلّمنا الوطن الانتماء المطلق، وتطبّقه الصّداقة في صورةٍ شخصٍ عزيزٍ لا ينحسر ظلّه عندما تشتدّ المصائب، فالوطن يمنحنا أمان المكان والصّديق يحبونا أمان الشعور. وأمّ الكوارث عندما يفقد المرء كلا الأمانين، فيصير حاله حال المسكين “راكان” بطل رواية “سلميّة” للكاتب “أحمد علوش” والتي أشارككم حولها النقاط الآتية:
– بدايةً، أهدى الكاتب عمله إلى أرواح ضحايا الهجوم الإرهابي الحاصل في “زولنغيين” الألمانية عام 2024، وهو إهداءٌ نبيلٌ وذكي، أراها إشارةً منه لكلّ قارئٍ بأنّ الأيادي المجرمة، أعداء الحياة، التي سيحدّثنا عنها خلال روايته، والملوّثة بدماء الأبرياء في “سلميّة” وغيرها من المدن السوريّة، هذه الأيادي هي ذاتها في كلّ مكانٍ مهما تغيّرت أشكالها وألوانها ومرجعيّاتها.
– في الرواية: يضّطر “راكان” لترك بلدته “سلميّة” خلال الحرب السورية، وخلال سفره بالطائرة من لبنان إلى تركيا ثم سفره بمركبٍ متهالكٍ إلى جزيرةٍ يونانية؛ يستحضر ذكريات الطفولة وريعان الشباب في “سلميّة”، وعلاقته هناك بصديقه الأوحد “ربيع المبيّض”، وتفاصيل الحرب التي نشبت أظفارها في ظهر البلدة فقتلت أبناءها وشتّتت من بقي.
– في اليونان يلتقي “راكان” بمتطوّعة ألمانيّة تمدّ إليه يد العون، ولاحقاً يكوّنا معاً أسرةً هانئة؛ لكنّ المآسي التي لا تُنسى تُلقي بظلالها على حياتهما، فالغربة ليست بُعد المسافات إنّما هي بُعد القلوب، فيحكي لها عن حبّه الأول “هنادي”، التي تركته ومالت عنه إلى “ربيع” على الرغم من قدرته الفوز بقلبها؛ لكنّه آلى رغبات صديقه على أمنياته فكان قراره هذا أشبه بجلد الذات تضحيةً للصداقة، والطفلة “شمس” ثمرة ذلك الزواج التي خسرت والديها لكنّها كسبت أبوّة “راكان” وعطفه وكان لزوماً عليه اصطحابها إلى حيث تجد برّ الأمان.
– في الرواية تفاصيل شتّى حول الغربة وآثارها، والتأقلم في وضعٍ وبيئةٍ جديدة، ومايرافق ذلك من حنينٍ وشوقٍ إلى وطنٍ يغرق في دماء أبنائه. يوحي أسلوب الكاتب بصدق تجربته؛ فربما هو ذاته عانى هذه الويلات ما يجعل القارئ لايقرأ عن الغربة فحسب؛ بل يتغرّب معها.
– يوظّف الكاتب “أحمد علوش” بمهارةٍ سرداً تاريخيّاً عن سورية عامةً، ومدينة “سلمية” على وجه الخصوص، يرد على ألسنة كبار السنّ في البلدة خلال أحاديث العصرونيّة وسهرات المساء، ويطرّز هذا السرّد بأبياتٍ من قصائد الشاعر “عمر أبو ريشة” الذي استوطنت قبيلته، في زمنٍ مضى، مدينة “سلمية” وضواحيها. (على ذمّة الراوي).
– المفارقة الغريبة التي ماوجدّتُ لها جواباً؛ هي أنّ الكاتب لم يذكر اسم البلدة “سلميّة” أبداً في روايته رغم أنّ أكثر من ثلثي الأحداث تنحبك فيها، واكتفى بهذا الإسم على الغلاف فقط، أمّا المدينة فكان يذكرها دائماً باسمها التاريخي القديم الذي اندثر (مجيد أباد)، إنّ هذا الصنيع ينبغي أن تتصدّره علامات التعجّب حتى وإن أخبر الكاتب قرّاءه في الصفحة الأولى أنّ “مجيد أباد” تعني “سلميّة”. لاشكّ أنّ للكاتب غَرَضاً من هذا الإجراء لكنّي لم أستطع التقاطه.
☆☆ جوهر القول: تزاوج هذه الرواية بذكاءٍ بين الوطن والصّداقة، وتنذرُ بأنّ خسارة الأول إيذانٌ بخسارة الآخر، فما الوطن في النتيجة إلا مجموع القلوب التي نسكنها وتسكننا فإذا تفرّقت هذه القلوب تشرذم الجسد الاكبر. وما الوطن والصّداقة في شجرة الحياة إلا توأمٌ لايفترقان، فكلاهما فيها جذرٌ، وكلاهما فيها ظلّ.
● سلميّة.
● أحمد علوش.
● دار سامح للنشر.
● الطبعة الأولى 2025، 198 صفحة.