مراجعة رواية “سرّ الأسرار” للروائي “دان براون”. كتبها: حسين قاطرجي.
أنجز “دان براون” أخيراً وعده الأدبي المنتظر، إنها الرواية التي أخذ عليها “براون” العهود والمواثيق أمام قرّاءه بأن تكون بحسب تعبيره: “الأكثر تعقيداً وطموحاً، والأكثر تسلية أيضاً”، فأبرّ الرجل بقسمه؛ وخرجت علينا “سرّ الأسرار” على أتمّ ما وعد وأوفى.
إذاً، بعد غيابٍ طويلٍ ألبس الساحة الأدبية ثوب الترقّب نسج “براون” ببزاعةٍ فائقة سجالاً حاداً بين المعتقدات الراسخة، والاكتشافات العلمية الصادمة حول علم الإدراك والوعي البشري، ممّا قد يعيد تشكيل نظريتنا حول آليّة عمل الدماغ ومن وراءه ماهيّة الإنسان وحقيقته.
تقوم الرواية على ظواهر طبيعيّةٍ واضحة عجز العلم عن الإتيان بتفاسير علميةٍ دامغة، بل بقيت تنوس بين النظريات الكثيرة التي لم تثبت صحتها، وهكذا بقيت هذه الظواهر تحدّياتٍ تواجه الإنسان بضعفه وعجزه، من هذه الظواهر: الحركة اللحظية الجماعية لطيور الزرزور التي تتحرّك جميعاً ضمن تشكيلاتٍ هندسيةٍ متناسقة في لحظةٍ واحدة يستحيل معها الظنّ أنها تتلقى أوامر من قائدٍ لها، لأن سرعة تلقي هذه الإشارة/الأمر ستكون أسرع من الضوء وهذا لا يستقيم مع أولى بديهيات الفيزياء. وكذا أيضاً حركة قطعان أسماك السّردين في البحر، ومثلها حركة إلكترونين متماثلين تحجز بينهما مسافاتٍ شاسعة!!.
إنّ النظرية التي قدّمتها الدكتورة “كاثرين سولومون” (إحدى شخصيّات الرواية) تقضي بأن يكون وعي البشرية وسائر الأحياء غير داخلي، بمعنى أنّه يصدر من مصدرٍ كوني، وما أدمغتنا إلا مُستقبلاتٍ تتلقى هذه الإشارات الراديويّة وتتفاعل معها، وانطلاقاً من هذه النظريّة بدأت “سولومون” بتفسير ظواهر مشابهة تتعلق بنشوة مابعد نوبة الصرع، وتجارب الإسقاط النجمي ومغادرة الروح للجسد، وغيرها من الماورائياتٍ التي تجذب القارئ لأنها تمسّ السّرّ الأقدس الكامن في جوهر كيانه وأساس وجوده.
تضع الباحثة “كاثرين سولومون” كلّ أبحاثها وعصارة مجهودها في كتابٍ لايزال مخطوطاً في دار النشر، ولأن “سولومون” كانت تجاهر بكتابها هذا أسراراً تتعلقٍ بأهمّ استثمارات وكالة الاستخبارات الأمريكية وهي بحوثٌ تجريها للتحكم بعقلية البشر وتصرّفاتهم فقد بثّت هذه الوكالة عملاءها للحصول على مخطوط الكتاب وإتلافه قبل أن يلقى طريقه إلى النشر وبالمرّة إزهاق روح مؤلفته كي لاتعيد كتابته.
ولأنّنا لايمكن أن نقرأ “دان براون” دون شخصيته المحبّبة البروفيسور “روبوت لانغدون”، فإنّ هذا الأخير سيقع على عاتقه حماية “سولومون” وكتابها، مضحياً لأجلها بكلّ نفيسٍ ومعرّضاً نفسه لشتى المهالك فداءً للعلم وأربابه!!.
وبالإضافة إلى “روبرت لانغدون” و “كاثرين سولومون” الباحثة في خوارق العقل البشري، حشد “دان براون” في روايته الشخصيّات المحوريّة الآتية، التي ستساعد القارئ على فهم حركة الرواية:
– “بريجيدا غيسنر” طبيبة أعصاب تشيكية، تعمل لصالح وكالة الإستخبارات الأمريكية، كانت تُجري تجاربها على بشرٍ تعتبرهم فئران تجارب، وهي التي دعت “كاثرين سولومون” لإلقاء محاضرة في “براغ” حول الدماغ، وهذه الدعوة كانت منطلق حبكة الرواية.
– “ساشا فيسنا” الروسية المسكينة، مصابة بحالة متقدّمة من الصّرع، تُجري عليها الطبيبة “غيسنر” أبحاثها دون وعيٍ منها، و”فيسنا” تظنّ نفسها موظفة برتبة مساعد طبيب! أرى أنّ “فيسنا” هي البطلة المحورية الأساس في كلّ الرواية وأخشى أنّ إضافة بعض المعلومات عنها سيحرق الخاتمة لذا أكتفي بهذا الحدّ. وأنصح القارئ بالتركيز على هذه الشخصيّة تحديداً لما ستفجّره من مفاجأة في الربع الأخير من الرواية.
– “مالفينا” الممرضة الليلية ل”ساشا فيسنا”، على الرغم من دورها البسيط لكن قصتهما معاً ينبغي أن تكون رواية مستقلة.
– “الغولم”، وهو شخصيّة أسطورية يسعى لحماية “ساشا فيسنا” وتعويضها خيراً عن مآسي حياتها الماضية.
– إضافةً إلى:
“ناغل سيركل” السفيرة الأميركية في دولة التشيك.
“دانا دانيك” مسؤولة العلاقات العامة في السفارة الأمريكية في براغ.
“مايكل هاريس” الملحق القانوني في السفارة، وهو على علاقة عاطفية مع “دانا”.
الملازم “بافل” مساعد النقيب “ياناتشيك” في جهاز الأمن والاستخبارات التشيكي.
النقيب “ياناتشيك” وهو خال الملازم “بافل”.
“جوناس فوكمان” محرّر في دار النشر.
“ايفيريت فينش” مسؤول في وكالة الاستخبارات الاميركية.
“أوغر” و”تشينبورغ” عميلان يعملان لصالح “فينش” وهدفهما الحصول على كل نسخ كتاب “كاثرين”.
“غريغوري جود” مدير وكالة الاستخبارات المركزية.
إنّ المخطوطة الثمينة التي كتبتها “كاثرين سولومون” والتي تحمل نتائج بحثٍ يهدّد بتقويض قرون من المعتقدات. أرى أنّها ليست بمحض خيالٍ جامح، بل لها ركيزةٌ علميةٌ ونظريات هي بالفعل تحت الدراسة. ( قرأت منذ سنواتٍ خلت كتابين عن هذا الموضوع، الأول اسمه التزامن والأسطورة والألعبان، والآخر: التحكم الخفي بالإنسان، أضع لكم صورتهما في التعليق الأول).
هذه النظرية العلمية (إن صدقت بالفعل) فهي تدعونا للتفكير في تحدّيات التكنولوجيا الأخلاقية، وحدود ما بعد الموت، وكيف يمكن للعلم المتقدّم أن يعيد تعريف جوهر الروح/الوعي/ والإدراك. وإلى أين يمكن أن تصل البشرية في حال نجحت عمليات زرع الشرائح الإلكترونية في الأدمغة وصارت أمراً مَشاعاً، وربما ستُلغى عندئذٍ الحدود التي تفصل بين الإنسان والآلة!
كل هذا الخليط من النظريات العلمية، والمواقف ذات البعد الفلسفي العميق؛ تترك القارئ معلّقاً على حافة اليقين والشّك ليُسائِل نفسه عن حقيقة وعيه ووجوده وواقعه، ومآل حياته. وليس بأحدٍ أمهر من “دان براون” على صياغة هذه التوليفة التي تلامس أسئلة الوجود الكبرى.
☆ تقتنص الرواية قبساً من سحر براغ الغامض، مدينة السّحرة والخيمياء والأساطير حيث تدور هناك معظم الأحداث. أحبُّ في “دان براون” هذا المسلك الأدبي حيث يضع معالم المدينة في بؤرة الصراع والأحداث، فيغدو سرده باعثاً للشوق وحادياً لخطانا لنتعرّف إلى هذه المعالم، أقلّها بالبحث عنها في جوجل والنظر في تصاميمها المعمارية.
لأنّي أعرف طبع الكاتب فقد أحصيتُ عليه المعالم التي مرّ بها في روايته فكانت أزيد من عشرين مَعلماً بارزاً، وتأكدّت في محركات البحث حول بعض هذه المعلومات التي أوردها، ليس تشكيكاً في نزاهته؛ وإنّما لطلب معلوماتٍ أوفى، والحق أقول كان وصف “براون” في كثيرٍ من الحالات أجمل من الواقع، ويمنح المَعلَم بُعداً قد تكون قيمته الفنيّة أو التاريخية أقلّ من ذلك. (مثال: مقبرة اليهود في براغ حيث جعلها في سياق حديثه معلماً تاريخياً يضاهي العجائب السبع!! ربّما أراد الحَوَام حول رائعة “أمبرتو إيكو” مقبرة براغ، لكنّه حَوَامٌ غير موفّق هذه المرّة).
☆ الترجمة العربية كارثيّة بالفعل، بلغت منها الرداءة مبلغاً يجعلني أتواصل مع دار النشر (الدّار العربية للعلوم ناشرون) لطلب ترقيع هذه النكبة الأدبية الحقيقية، لقد سحقت المترجمة “كاميليا وليد” روح النّصّ الأصيل تحت وطأة ركاكة التعبير والتراكيب المهلهلة، لقد طعنتنا المترجمة في لغتنا الأم، وصوّبت سهامها السّامّة إلى أجمل مانملك (لغتنا) حتى ليخال القارئ أنّ المترجمة نقلت النّصّ على مضضٍ منها، فجاء مجرّداً ومُعرّى من سياقه.
يتّضح لي ولكل قارئ أنّ المُترجمة طلبت المعونة من زملاءٍ لها فأعارتهم بعض الفصول لترجمتها، ولأنهم لم يقرؤوا الفصول الأولى فقد ظنّوا أن “ساشا فيسنا” رجلاً فجاء الحديث عنها في بعض الفصول بالضمائر المذكّرة، هذا غير أنّ الكثير من الشخصيات تُترجم أسماءها بطريقةٍ مختلفة من فصلٍ لآخر. مثال: غيسنر كُتبت بمراتٍ عدّة (جيسنر، غيسنر، غسنر) والغولم (جوليم، جولم، غوليم، غولم)، والسفيرة ناغل (ناغيل، ناغل، ناجيل). إضافةً إلى أنّ بعض الفصول جاءت بلغة بلاغية معجميّة عالية مختلفة عمّا سبقها وتلاها، ممّا يؤكد أنّ غير مترجمٍ واحدٍ اشتغل على تعريب النصّ.
☆ يقدّم “دان براون” عملاً جميلاً كعادته، ولكن يحقّ للقارئ التساؤل: أين الجديد في هذه الرواية؟ هل تستحق عناء الانتظار ثماني سنوات؟ وخلال هذه الأعوام الماضية ألم يستطع “براون” استكشاف أساليب سردية جديدة تُخرجه من النمط التقليدي الخطّي (مقدمة، حبكة، خاتمة سعيدة)؟
إذا أردنا أن نقيّم الرواية من باب الجِدّة، فهي هزيلةٌ ضعيفة، فمعظم الأحداث تستند إلى مفاجآتٍ تُنقذ الأشمط “لانغدون” وزميلته في اللحظة الأخيرة، فلولا الأبواب المواربة التي تُخلق من عدم، ولولا ذكاءه الخارق الذي يسمح له بمعرفة كلمة السّرّ في لمعةٍ ذهنيةٍ متوقّدة؛ لمات هو وصاحبته الباحثة منذ الفصل الأول. (وعندئذٍ يكونا قد اكتشفا بنفسهما حياة ما بعد الموت).
يزيد الرواية سلبيةً إطالتها الفاحشة بلا جدوى أدبية، واستمراءه ذكر أسماء ماركات الألبسة والمشروبات وغيرها من الأسماء التي يستغلُّ إدراجها في الرواية لأسبابٍ تجارية، وتقديمه حلولاً غير مقنعة لفضّ اشتباك خيوط الرواية ببعضها (على سبيل المثال: بعد أن تكون سعادة السفيرة الأمريكية مُلاحقة من قبل CIA لأسباب جنائيّة وأسباب تمسّ الأمن القومي الأمريكي، ونحن نتفاعل مع الأحداث ونتمنى أن تنتصر لتفضح أعمال الوكالة واستثماراتها المُميتة، نتفاجأ بأن نالت عفواً سريعاً وتوقّفاً عن ملاحقتها بحجّة أنّ ذلك كان سوء تفاهم وتقدير من الوكالة، نعم!، ثمّ توقفت المُطاردة كلها وسط دهشة القرّاء!!!)
كلّ ماسبق شكّل صدى خيبةٍ مُرّة عند القارئ المُدقّق، أمّا القارئ الذي لاتعنيه هذه التفاصيل ويعقد الأمل على أن يقرأ روايةٍ مُسلية تكسر روتينه المألوف فقد وجد ضالته بكل تأكيد.
☆☆ ملاحظات خاطفة حول الرواية وكواليس إنجازها، (اطّلعت على بعضها من حسابات الكاتب الموثّقة على وسائل التواصل):
– أقام الكاتب وفريق عمله في فندق الفورسيزنز في براغ، وطُلٍبَ من العاملين فيه الذين يحتكّون مع الكاتب وفريقه بشكلٍ مباشر ألا يخبروا أحداً بوجوده في الفندق، لايريد أن يعرف القرّاء أنّ الرواية ستكون عن براغ فيخبو عندئذٍ وهج المفاجأة، وهذا ما كان؛ فكافأهم بعد صدور الرواية بمنحهم نسخاً مجّانية موقّعة.
– كتبت بعض الصحف العريقة مراجعاتٍ سلبية حول الرواية وحاولت التقليل من أهميتها، (مثل الغارديان البريطانية)، كما قللت بعض الأوساط الثقافية الأوروبية من الطرح العلمي في الرواية وعدّته محض هراء. في حين أشادت نظيراتها الأميركية بهذه العلوم وقالت ما معناه: (إنّ براون يلامس حقائق سيثبتها العلم المستقبلي).
– يدرس الكاتب الآن عروض شركات الإنتاج الكبرى لتحويل الرواية إلى فيلمٍ سينمائي (نتفليكس ليست واحدة منها).
– صدرت الرواية ب 16 لغة، ومنذ التاسع من سبتمبر 2025 يوم صدورها، وحتى اليوم لاتزال في طليعة الكتب الأكثر مبيعاً في أوروبا وأميركا. كما تعدّ هذه الرواية الأضخم على الإطلاق بين أعمال الكاتب (1180 صفحة تقريباً).
☆☆ إذاً، عانق القرّاء أخيراً روايتهم التي نذروا لها، بشغفٍ مُتزايد، صبر الانتظار، وشرعت محاجر العيون بالتهام الصفحات، وبغض النظر عن موقفي منها وعن أيّ اعتبارٍ آخر، فإنّ الرواية تُسعدني جدّاً لأنّها تُحيي، من جديد، عند القرّاء المتردّدين شغف المطالعة.