حول كتاب “تشريح الثورة”.
يحلّل الباحث والمؤرخ الأكاديمي الأميركي “كرين برينتن” أربع ثوراتٍ عالمية أثّرت في مجرى التاريخ وهي: الثورة الأميركية، والثورة الفرنسية، والثورة البلشفية، والحرب الأهلية في إنجلترا.
واستخلص منها القواعد التي تقوم عليها الثورات الناجحة وأسسها، عندما أقارن خلاصة بحثه بواقع الثورة السورية أجد أنّنا في سورية نعيش اليوم أوج الثورة وذروة سنامها وليس كما يقول البعض أنّ الثورة انتصرت وحققت نتائجها وأنّنا نعيش اليوم مرحلة ما بعد الثورة.
يقول الباحث ما فحواه أنّ الثورة الناجحة في كل العصور ليست هي التي تهدف إلى إسقاط الطاغية فحسب، بل التي تضع أسس العدالة الإجتماعية وتقضي على الفساد ويسود فيها القانون. إذ لا قيمة لإسقاط الحاكم المستبد وبقاء عقليته وسياسته سارية في مفاصل الدولة، وهذه المهمّة أقوى وأهم وأصعب من إسقاط الحاكم الطاغية لأسبابٍ عدّة:
أولها: أنّ تنحية الديكتاتور وزبانيّته عن الحكم قد يتطّلب استخدام السلاح وإراقة الدماء والردّ على العنف بعنفٍ مثله، أمّا بناء الدولة فيتطلب عقولاً وهمّة وتسامحاً وتعاوناً بين أفراد المجتمع كله.
ثانياً: إنّ إزاحة الحاكم عن كرسي الحكم قد تتدخّل فيه أيادٍ خارجية ليس من مصلحتها بقاء هذا الديكتاتور في منصبه فتدعم سرّاً ثورات الشعب ضدّه، أمّا بناء الدولة فلا يكون إلا بسواعد أبنائها وتعاونهم، وإذا ما قدّمت الدول الحليفة دعماً مادياً أو لوجستياً فهو على الغالب ليس دعماً مجانياً، بل الغرض من ورائه إقامة تحالفاتٍ معها والحصول منها على تنازلاتٍ سياسيّةٍ تصبّ في مصلحتها.
☆ يقول الكاتب بما معناه: أنّ الثورة تفقد قيمتها وتخسر نتائجها المرجوّة إذا قسّمت المجتمع إلى قسمين (ثوّار و موادعين غير متمرّدين) والطامّة عندما يصير الحكم السائد هو حكم التشفّي بالناس الموادعين الذين لم يدعموا الثورة في انطلاقتها.
إنّ التشفّي يولّد بيئةً من الحقد والكراهية ويزيد من حدة الانقسام. وبدلاً من البناء على أسس الاحترام المتبادل والعمل الجماعي لتحقيق تقدّم المجتمع، يتم التركيز على الانتقام والتهميش وتحييد الآخر، إنّ هذه السياسة تقوّض الوحدة الوطنية، وتزيد التمايز بين الشرائح الاجتماعية وتعزّز ما بدأه الطاغية في سنوات حكمه وتعيد إنتاجه بأسلوبٍ ومفرداتٍ جديدة مما يؤدي إلى إفراغ الثورة من جوهرها.
الكتاب غني جداً بمعلوماته، ومُقنعٌ جدّاً بتحليلاته، وأرى أنّ لاغنى عن قراءته والاستفادة من نصائحه والنظر بتجارب ثورات العالم، وخاصةً ونحن نعيش مرحلةً مفصلية في تاريخ سورية الحديث.
● تشريح الثورة
● كرين برينتن
● ترجمة: سمير الجلبي.
● دار الفارابي، الطبعة الأولى 2009.
● 384 صفحة.