انتصاب أسود

حول رواية “انتصاب أسود” لأيمن الدبوسي، خاصةً، وأدب الابتذال عامةً.

في عالم الأدب، يُعتبر القلم سيفاً ذو حدّين؛ يُمكن أن يُرفع بكلماتٍ تعمّر العقول وتُلهم الأرواح، أو قد ينحدر إلى مستوىً لا يليق بقيم المجتمع وأخلاقياته. وفي زمنٍ صار من صنوف أدبه ما يُدعى ب “الأدب الأيروتيكي أو الإباحي”، وكلّ حجّة المنافحين عنه هو ما حوته “ألف ليلة وليلة” وغيرها من بعض كتب التراث؛ يصبح هنا السؤال الأكثر عمقاً: متى يتحوّل الأدب إلى قلة أدب؟

تبدأ التفاهة حينما ينحرف الكاتب عن الغاية النبيلة للأدب، ليصبح أداةً للإيذاء والتخريب بدلاً من التنوير والتوجيه. في هذه البيئات، يتحول الأدب إلى منصّة لنشر الفحش والشتائم والأفكار السّامة، مشوهًا الغرض الأصلي للكتابة الراقية، ويخاطب الغرائز لا العقول والأفكار.

في روايته “انتصاب أسود” يحاول الكاتب التونسي “أيمن الدبوسي” أن يجد مساغاً لغرض روايته البذيئة فيجد في الثورة التونسية التي أشعلت الربيع العربي مدخلاً لحكايةٍ سمجة عن كبته الحبيس؛ وإمعاناً في الترويح عن هذا الكبت جعل أحد شخصيات الرواية يحمل اسمه الحقيقي “أيمن الدبوسي” ليؤكد للقارئ أنّ ما يقرأه بأمّ عينيه هو جزءٌ من سيرة الكاتب الذاتية الغارقة في وحول الخطيئة.

ويُقحم الكاتب في هذه النوفيلا شخصيّاتٍ عدّة، ويرسمها شكلاً وأوصافاً وطباعاً وصفاً محكماً ثم يميل بقارئه ليوظّف هذه الصفات ضمن وضعياتٍ مخلّة يندى لها جبين الفضيلة والاحترام ودون أن نجد سبباً أو دافعاً لتكون هذه الدناءة ضمن سياقٍ مقبولٍ أو مُبرّرٍ في الرواية.

أقول: ربما اختلطت عند الكاتب الحدود بين الجرأة الأدبية وبين الانزلاق إلى الهاوية، وهذا معروفٌ عند أمثاله من الكتّاب فاقدي اللياقة الأدبية الذين يرون في محاربة التقاليد والقيود المجتمعية والتمرّد عليها صيغةً للتعبير الحر، دون أن يُدركوا أنهم في الواقع يساهمون في تآكل الأسس القيمية للمجتمع ولايعبّرون إلا عن ذواتهم المريضة، وأنهم لايقدرون إلا على مخاطبة الحدّ الأدنى من الطبيعة البشرية.

قد يعاتبني البعض على تضييع الوقت بمثل هذاّ الإسفاف الواضح من عنوانه، والحقّ معهم، لكنّني آليتُ أن أستجيب لعشرات الطلبات من أصدقائي القرّاء لأن أقول رأيي بها وبأمثالها مما يُدعى عَرَضَاً (بالأدب) خاصّةً بعد انتشاره المخزي، وأحذّر منه، وأدعو لتفعيل الرقابة تجاهه. ولأنّني لا أريد لقارئٍ محترمٍ أن يحصل معه مثلي؛ إذ أنّني وبعد كل هذه السنوات من التهام الكتب؛ فجأة ألقى نفسي أقف على روايةٍ تافهةٍ لا يمدحها أحدٌ إلا على سبيل المزاح.
لقد أراد “الدبوسي” أنّ يعدّه الناس في جملة المؤلفين، ففضح نفسه وقدّم عملاً تافهاً كالغبار في الريح لا يترك أثراً وراءه.

● انتصاب أسود.
● أيمن الدبوسي.
● منشورات الجمل.
● الطبعة الأولى، 2016، 167 صفحة