البحث عن أنشودة الفتى الحزين

مراجعة كاتب “البحث عن أنشودة الفتى الحزين” للكاتب الروسي “فاسيلي أكسيونوف”..

يتناول هذا الكتاب موضوع التحوّل في ولاء الكاتب الروسي “فاسيلي أكسيونوف” بعد نفيه من وطنه الأم، روسيا، وكيف أصبحت الولايات المتحدة الأميركية ملاذه الجديد ومصدر إلهامه.

يعدّ “أكسيونوف” واحداً من أبرز الأدباء الروس في القرن العشرين. تميّز بكتاباته التي عكست التناقضات السياسية والاجتماعية في بلاده. ولكن بعد نفيه من وطنه، وجد في أميركا ملاذاً آمناً، وأصبحت أرض الفرص والأحلام لديه.

إنّ قرار طرد “أكسيونوف” من روسيا لم يكن قراراً سهلاً، لا عليه كشخص ولا على المجتمع الأدبي والثقافي في روسيا. كان “أكسيونوف” قد أبدى مِراراً انتقاداته للنظام السياسي في بلاده، مما أدى إلى اتخاذ السلطات قراراً بنفيه، مما يعني فقدانه لموطنه ولجمهوره الذي أحبّه وتفاعل معه. إن هذا القرار لم يكن خياراً وحيداً للنظام السوفياتي في ذلك الوقت في التعامل مع المعارضين، بل كان تعبيراً واضحاً عن الصعوبة التي واجهها المثقّفون المعارضون أنذاك.

على الرغم من الألم الذي خلّفه النفي، إلا أن ذلك فتح أمام “أكسيونوف” الباب لاستكشاف آفاقاً جديدة. لقد اختار الهجرة والإقامة في الولايات المتحدة الأميركية، حيث وجد الحريّة التي كان يتوق إليها ككاتب. في أميركا، لم يجد “أكسيونوف” فقط الحرية في التعبير، ولكنه وجد أيضاً مجتمعاً يحتضن الابتكار والأفكار الجديدة. هذا المجتمع كان حافزاً “لأكسيونوف” للتغنّي بحبّ أميركا، التي قدمت له الفرص التي لم يجدها في وطنه الأم. والواقع أنّ ذلك يبرهن لنا أيضاً على خبث الإدارة السياسية في أميركا حيث تحتضن أمثال هؤلاء الكتّاب لمعرفتها أنّ أقلامهم ستصنع، على المدى الطويل، رأياً شعبياً يمدحها ويلعن اعداءها!.

إذن، يعدّ حبّ “أكسيونوف” لأميركا بعد نفيه من روسيا تعبيراً عن التغيرات الكبيرة التي مرّ بها كفرد، وككاتب. لقد تعلّم “أكسيونوف” في منفاه أن حبّ الوطن قد يأخذ أشكالاً متعددة، وأن الحريّة والفرصة قد تكون أحياناً أثمن من أيّ انتماءٍ جغرافي أو سياسي. وهكذا، استمر في التعبير عن هذا الحب في كتاباته، التي أصبحت رمزاً لصراع الإنسان مع القيود والبحث عن الحرية والهوية في عالم دائم التغير.

يظهر لي بعد قراءة الكتاب/ السيرة أنّ حبّ الكاتب لأميركا لم يكن ينبع من إعجابه بقيمها الحضارية وانفتاحها على العالم، وتطلعاتها المستمرّة نحو الأفضل؛ بل أراها محاولةً من الكاتب للانتقام من النظام السياسي الذي اغتال أحلامه في بلاده، فصار يمتدح عدوّها الأول وتقديمه لجمهور القرّاء على أنّه بلد الأحلام والمخلّص من كلّ المآسي والمنغّصات، وأنّها لاغيرها جنة الله على الأرض!.

أجمل ما في الكتاب المواقف والقصص والحوارات التي دارت بين الكاتب وبين نظرائه من كبار الكتاب أمثال همنجواي، شتاينبك وغيرهم.. هذه المواقف تكشف لنا طبائع هولاء الكتّاب وأهواءهم وأفكارهم وسبل تعاملهم مع غيرهم..

● البحث عن أنشودة الفتى الحزين
● فاسيلي أكسيونوف
● ترجمة: د. قيس الوهابي
● الدار الدولية للنشر والتوزيع
● الطبعة الأولى 1990، 324 صفحة.