سلطان الأولياء

مراجعة رواية “سلطان الأولياء، رواية عبد القادر الجيلاني”. للكاتبة التركية “نورية تشالاغان”.

في عالمنا المعاصر، تزدحم الحياة بالواجبات والمسؤوليات وتنقلب قيم التسامح والتفاهم إلى مثالياتٍ هشّة لا تلبث أن تزول؛ ومن هنا تبرز أهمية الروحانيات والتصوّف السليم بوصفهما ملاذاً للإنسان الباحث عن السلام والتوازن النفسي. يمثّل التصوف السليم على وجه الخصوص طريقةً مُثلى للتواصل مع الذات الإلهيّة، حيث يتخطّى الإنسان الحدود الزمانية والمكانية بحثاً عن حقيقةٍ أسمى.

تُعتبر الروحانيات في جوهرها أداة للتّحرّر من أغلال الحياة المادية والانغماس في عالمٍ من الطمأنينة والسّكينة. فمن خلال الروحانيات، يمكن للفرد أن يجد القوّة لتحمّل مصاعب الحياة وفهم الغايات الأسمى لوجوده. إنها وسيلةٌ للتواصل مع العالم الداخلي، ممّا يتيح للفرد فهماً أعمق للذات وللعلاقات الإنسانية.

إنّ الروايات التي تستند إلى موضوعاتٍ صوفية أو سِيَرَ شخصياتٍ أثّرت في العالم الإسلامي وقدّمت كتباً تستنهض ما اندثر من روح الطاعات وجماليّاتها تأتي لتعرّفنا على حياة هذه الشخصيات وأفكارها في قالبٍ روائيٍ يكسر جمود السير الذاتية والغيرية. وللحقيقة فإنّ “قواعد العشق الأربعون” للكاتبة التركية “أليف شافاق” يمكن عدّها أمّ هذه الروايات وأوسعها انتشاراً رغم أنّها ليست الأولى في مجالها وموضوعها.

☆☆ تأتي رواية “سلطان الأولياء” للكاتبة التركية “نورية تشالاغان” ضمن هذا السياق وأحبّ أن أسجّل حولها النقاط الآتية:

– تحاول الكاتبة “نورية تشالاغان” التفرّد في الأدب الصّوفي إذ أصدرت في هذا المجال رواياتٍ عدّة منها: عفّة القلب، ابني محمّد، عشق السكون، و سلطان الأولياء.

– يظهر للقارئ أنّ “تشالاغان” كانت مستعجلة في إصدار روايتها إذ نجد مقاطع كاملة أخذتها من الكتب التي تتناول سيرة “عبد القادر الجيلاني”، دون أن تعالجها وظيفيّاً ضمن الرواية.

– لم تتناول الكاتبة الظروف السياسية أو الإجتماعية التي رافقت نشوء “الجيلاني”، اللهمّ إلا ملاحظاتٍ يسيرة لاتفي بغرض الرواية ولا تدعم فكرتها.

– لا أنكر أنّني أحبّ هذا النوع من المطالعات شرط أن تخلو من الشّطحات التي نراها بكثرةٍ في كتب التصوّف، وهنا قدّمت الكاتبة قصصاً أشبه بالخيال لايمكن للعاقل تصديقها، وربّما ذكرت لبطل الرواية كراماتٍ ومعجزاتٍ لم تحصل للأنبياء أو الرسل أولي العزم، كان يجدر بها ان “تفلتر” روايتها من هذه الأقاصيص وتركّز على أفكار “الجيلاني” في ترويض النفس وتزكيتها.

☆☆ خلاصة القول: إنّ الروحانيات التي يقدّمها التصوّف السليم تشكّل مزيجاً فريداً من القوّة والهدوء، وتُسهم في تحقيق الانسجام والتوازن وإعادة ترسيخ القيم الإنسانية في العصر الحديث. وأركّز على أنّ التصوّف ليس عالماً من الغموض والعزلة، بل هو في الحقيقة طريقٌ نحو النّور والتجديد المستمر للحياة الروحية؛ شريطة أن يحكّم العقل في بعض شطحاته، وينقّي أقاصيصه ليعرضها على ميزان الشريعة الحق. أمّا بالنسبة لرواية “سلطان الأولياء، رواية عبد القادر الجيلاني” فأرى أنها مضيعة للوقت دون أن أنفي فكرة قراءة روايةٍ أخرى “لتشاغلان” قبل أنقّي مكتبتي من كتبها.

• سلطان الأولياء، رواية عبد القادر الجيلاني.
• نورية تشالاغان.
• ترجمة: أحمد سليمان الإبراهيم.
• دار نينوى، الطبعة الأولى 2022
• 316 صفحة.