نظرة حول كتاب المفاتيح القرآنية لكتاب العبادلة لابن عربي.
مع كتابه: كشف المعنى عن سر الأسماء الحسنى. بقلم: حسين قاطرجي.
يُعدُّ القرآن الكريم ذروة البلاغة والفصاحة، وجامعاً لأسمى المعاني الروحية والأخلاقية. ومن بين أهم جوانب هذا الكتاب العزيز هو ارتباط معاني آياته بأسماء الله الحسنى. إن المفاتيح القرآنية كما سمّاها “ابن عربي” ومن ورائه طائفةٌ من العلماء، تعدّ وسيلةً لاستيضاح وفهم الأسرار الكامنة في الآيات من خلال الربط بينها وبين أسماء الله الحُسنى. وفي هذا السياق، أستعرض بشكلٍ مبسّط كيف يمكن لهذا الربط أن يضيف عمقاً إلى فهمنا للنصوص القرآنية ويزيد من استيعابنا لمعانيها العميقة وذلك من خلال مباحث يمكن أن يستكشفها القارئ الحصيف في هذا الكتاب التأمّلي العميق.
☆ المبحث الأول: أهميّة أسماء الله الحسنى في فهم القرآن:
تُشكل أسماء الله الحسنى جسراً لفهم معاني القرآن الكريم. كل اسمٍ من أسماء الله الحُسنى يحمل صفةً من صفات الكمال والجلال، وعندما ننظر إلى الآيات من خلالها نصبح قادرين على استيعاب الحكمة الإلهية. فمثلاً، عند تدبّر آيةً تتحدّث عن الرحمة، يصبح الربط باسم “الرحمن” أو “الرحيم” أداة لفهم أعمق لمعنى الرحمة الإلهية التي تتجاوز حدود الفهم البشري.
☆ المبحث الثاني: أمثلة من الربط بين الآيات وأسماء الله الحسنى:
يمكن أن نرى بوضوح هذا الربط في عدة مواضع قرآنية. فعلى سبيل المثال، في آيات تتناول موضوعات العدالة، نجد أن أسماء مثل “العدل” و”الحكم” توضح مفهوم العدل الإلهي وتطمئن المؤمنين بالعدالة المطلقة لله. كذلك الحال مع الأسماء المتعلقة بالعلم والقدرة مثل “العليم” و”القدير”، حيث تعكس كيف أنّ علم الله وقدرته تشمل كل شيء في الكون.
لقد دقّق “ابن عربي” في سور القرآن الكريم وعلّل ربطه بين أحد الأسماء الحسنى وسوراً بعينها من مثل:
سورة الأنعام يقابلها اسم الله الغني.
سورة البقرة يقابلها اسمَي الله الواسع، المُجيب
سورة الإسراء يقابلها اسم الله المؤخّر
سورة الأعراف يقابلها اسم الله الرازق
سورة آل عمران يقابلها اسم الله الجبّار.
☆ المبحث الثالث: تأثير الربط بين الآيات وأسماء الله الحسنى على الإيمان:
إن الربط بين معاني الآيات وأسماء الله الحسنى يعزّز إيمان المسلمين ويدفعهم للتفكّر في الحياة والكون برؤيةٍ جديدة؛ ففي كلّ مرة يتدبّر المؤمن آيةً ويقوم بربطها باسمٍ من الأسماء الحسنى، يُفتح له باب من المعرفة والحكمة، مما يعزز من علاقة المؤمن بربّه ويزيد من حبّه وخوفه ورجائه لله. ويحقّق له ثواب فهم آيات الله ما ظهر من معانيها وما بطن، وما في ذلك من معونته على العمل بكتاب الله تعالى.
إذن كتاب “المفاتيح القرآنية لكتاب العبادلة لابن عربي” يُمكن عدّه من أكثر الكتب التي تحتوي على حكمةٍ وتأمّلاتٍ في معاني القرآن الكريم وأسماء الله الحسنى. “ابن عربي”، الذي يُشتهر بمعرفته العميقة وروحانيته العالية، يقدم لنا في هذا الكتاب فهماً أعمق للكلمات الإلهية التي تتجاوز التفسير الظاهري لتكشف لنا عن خفايا وأسرار الآيات القرآنية.
يساعد الكتاب القرّاء وطلاب العلم على التعمّق في التفسير الإشاري للقرآن الكريم ممّا يوفر لهم رؤيةً جديدةً ومراجعةً داخليةً لعلاقتهم بالله. من خلال ربط الآيات القرآنية بأسماء الله الحسنى، يُقدم “ابن عربي” نظرةً متعمقةً لكيفيّة تأثير الأسماء الإلهية في حياة المؤمنين اليوميّة ويدعوهم إلى التأمّل في صفات الله التي تتجلى في الكون من حولهم.
أحد الرسائل الأساسية في كتاب “المفاتيح القرآنية” هو المبدأ القائل بأن القرآن العظيم ليس مجرّد نصٍّ يجب قراءته وتفسيره حرفياً فقط، ولكنّه طريقٌ للمعرفة الروحية والاتصال المباشر مع الخالق. يعلمنا “ابن عربي” أن التفكّر في الأسماء الحسنى والآيات يمكن أن يقود إلى تنوير الروح ويفتح أمامنا أبواب الفهم الأعمق والتواصل الحقيقي مع الله.
يعكس الكتاب أسلوب “ابن عربي” في التعبير بكلماتٍ مفعمةٍ بالشعريّة والرمزيّة، وهو لايخرج عن أسلوب “ابن عربي” المُغرق في الرمزيّة، ولكنّني أجده أخفّ وطأةً من كتابيه: فصوص الحكم والفتوحات المكيّة. وفي كل الأحوال هو كتابٌ صعبٌ يحتاج من قارئه أن يكون مطّلعاً على الادب الصوفي بشكلٍ عام، وكتب “ابن عربي” خاصةً. ولا أنصح به عموم القرّاء لصعوبته ومشقّة فهم ما يرومه المؤلف رحمه الله.
خلاصة القول: “كتاب المفاتيح القرآنية لكتاب العبادلة” هو ذخيرةٌ ثمينةٌ لكلّ من يرغب في استكشاف البعد الروحي للدّين الإسلامي وفهم العلاقة العميقة بين الإنسان وخالقه. هو كتاب يطلب من قارئه التأمّل والتفكر العميق، ويعد من الكنوز الفكرية التي تضيء الطريق لكل من يسعى إلى العثور على الحقيقة الإلهية في حياته اليومية.
• المفاتيح القرآنية لكتاب العبادلة.
• ابن عربي
• تحقيق: أحمد حمدي
• شروح وتعليق: عبد الباقي مفتاح
• دار نينوى. 2022، الطبعة الأولى.
• 502 صفحة.