مراجعة رواية (نقود لماريا) للروائي الروسي الكبير فالنتين راسبوتين..
كلما قرأت عملاً أدبياً روسيّاً يزداد إعجابي بهذا الأدب العريق، وكثيراً ما يُظلم الأدب الروسي عندما نحصره بأسماء الرواة والشعراء الكبار أمثال ديستويفسكي وبوشكين وتشيخوف وتولستوي؛ ثمّ لا نلتفت إلى غيرهم من الأدباء الذين لهم من الشهرة في بلدهم كشهرة هؤلاء وأكثر، ولاتقلّ أعمالهم روعةً وعمقاً عن نظرائهم المشهورين في العالم العربي..
بعدما أنهيتُ قراءة روايتين للكبير فالنتين راسبوتين (رواية الاحتضار، ورواية الهارب وكتبتُ عنهما مراجعاتٍ نشرتها في صفحتي هذه “رحلة مع كتاب”) قرأتُ روايته الثالثة نقود لماريا فازددتُ به إعجاباً، واستفحل عشقي للأدب الروسي عامةً.
في هذه الرواية يحرّض الكاتب قارئه على استشعار الدفء الأسروي النابع من الحبّ المتبادل بين الزوجين، وهذا يندر في الأعمال الأدبية التي تجعل من الخيانة محوراً أساسيّاً لها، وقد اسْتَشْرَت بين الأدباء فكرة الحبّ المنافق هذه حتى صار يندر أن نجد في الأدب روايةً ترسّخ فكرة الوفاء والإخلاص وحفظ العهود كما فعل راسبوتين في نقود لماريا.
في الرواية يستيقظ كوزما على نهارٍ كئيب، ليس لبرد الشتاء الروسي المعهود بل لمصيبةٍ حلّت بأسرته الفقيرة.. لقد غُرّمَت زوجته ماريا بتعويض المبلغ الناقص من خزينة المتجر الذي تديره ويبلغ ألف روبل..
كانت ماريا زوجةً مخلصة، وأمّاً حنون لأربعة أبناء، وبائعةً طيبةً صادقة، وكان المحقق مُدركاً هذه الحقيقة وأنّ المورّدين كانوا يغشّونها، لكنه لايملك أن يدفع عنها العقوبة إلا بأن تدفع الغرامة. يحمل الزوج كوزما على عاتقه صون أسرته وزوجته من مذلة السجن والفضيحة فيقرر السفر وقرع أبواب من يظنّ أنّ إنسانيتهم تشفع له بأن يهرق ماء وجهه أمامهم.. فيزور جدّه وأخيه وصديقه وغيرهم ولايلقى من الجميع إلا وعوداً زائفة أو تحسّراً وشكوى من العِيلة والإملاق.
يخشى كوزما أن يعود إلى بيته دون بشارة خير يُسعد بها قلب زوجته الطيبة، لكنّه يفعل ذلك مضطراً بعدما ردّه الأقربون والأبعدون وشبح السجن يطوف حول بيتهم المتهالك مهدّداً سعادتهم الهشّة..
يركّز راسبوتين على مشقّة سفر الزوج ووعورة الطريق، ورداءة الطقس، وجلافة الناس، وكأنّ كل ما حول كوزما متكالبٌ عليه؛ وهو تصويرٌ دقيقٌ لحياة الطبقة الكادحة في روسيا بدايات القرن الماضي. كما يركز على نذير الشؤم في وجوه الناس الذين يستطيعون المساعدة ويمنعهم من ذلك بخلهم وضنّهم بالجود!!.
الرواية مؤلمة، وسيصل شعور العَوَز بالقارئ حدّاً تجده يتلمّس جيبه ليساعد كوزما وزوجته ويُنهي حزنهم المرير، أو ينتقم لهم من جملة الأوغاد الذين ردّوه خَجِلاً وكان بإمكانهم مساعدته، سيشعر القارئ بالتأكيد بشعور الأب الذي يكدح لأجل بيته وأسرته وهو الذي يتمنى لو تبقى ضحكة أطفاله مكلّلةً بالبراءة والرضى ولايهدّدها ظلم الناس أوالفقر الذي يتربّص بحياتهم ومستقبلهم..
ترك الكاتب فالنتين راسبوتين نهاية روايته مفتوحة على كلّ الاحتمالات، ولا أزاود إن قلت أنّني توقعت هذه الخاتمة، ذلك أنّ النهاية لايليق بها إلا أن تنكشف عُسرة هذه الأسرة؛ وهو شيءٌ لايريده الكاتب إمعاناً في التذكير بالفقر والبؤس الذي يهيمن على الطبقات المسحوقة من هذا المجتمع..
ألاحظ بعد أعمالٍ ثلاثة قرأتها لفالنتين راسبوتين تركيزه على فكرة الأسرة الواحدة المتماسكة والمخاطر التي تحيط بها كالحرب (رواية الهارب) وسيطرة المادية (رواية الاحتضار) والفقر كما في هذه الرواية، وهكذا نجده يؤكد دوماً على أن العائلة ليست مجرد مجموعة من الأشخاص يعيشون تحت سقفٍ واحد، بل هي الأساس والركيزة التي يقوم عليها المجتمع بأكمله.
• نقود لماريا
• فالنتين راسبوتين
• ترجمة: يوسف حلاق
• منشورات وزارة الثقافة في سورية. الطبعة الأولى 1984