☆☆ مراجعة كتاب “ليل ليلون” للكاتبة الفنانة “شكران بلال”. كتبها: حسين قاطرجي.
( حين تغدو الفجيعة نصاً أدبياً)
بين دفتي هذا الكتاب، تسطّر الكاتبة مايظنّ البعض أنّها ذكرياتٍ عابرة، لكنّها بالنسبة للكاتبة ولكلّ من عايش أوجاع الحرب السورية؛ ملحمة إنسانية منسوجة بالفجيعة والأمل.
تمضي بنا الكاتبة في رحلةٍ إلى أعماق الذاكرة القريبة المثقلة بأوجاع الحرب حيث تتحول قصصها التي تفيض بالصدق إلى مرآة تعكس وقائع حقيقية عاشتها مع عائلتها تحت ظلال المدافع وعواصف الرماد.
في هذا الكتاب الوجداني، لا تكتفي الكاتبة “شكران بلال” بسرد الأحداث، بل تفتح نوافذ الروح لتطلّ منها على شواهد حيّة ووقائع جرت في غياهب الحرب ودهاليزها المظلمة؛ إنها تستنطق الصمت الذي خيّم على جدران بيتها، وتستحضر تفاصيل الأيام التي تقاسمتها مع عائلتها بين مطرقة الخوف وسندان البقاء.
تنتقل بنا الكاتبة “شكران بلال” من العام إلى الخاص، فلم تعد الحرب مجرّد أرقام في نشرات الأخبار، بل أصبحت “غصة في حلق الأبرياء” ووجعاً يقتات على مائدة العائلة. هي توثّق كيف كان الحبّ هو الدرع الوحيد في مواجهة شظايا القسوة.
في “ليل ليلون”، تتحوّل الطريق الواصلة بين حلب وعفرين من مجرد إسفلتٍ يقطع الأرض إلى خيطٍ رفيع يربط بين جرحين حيث يسرد الكتاب حكاية تلك المسافة التي طالما كانت نزهةً بين حقول الزيتون، لتستحيل في زمن الحرب “برزخاً” يختبر فيه العابرون حدود صبرهم وقلقهم.
إنّ كلّ منعطف في الطريق يحمل قصةً لبيتٍ هُجر، أو شجرةٍ احترقت، أو وداعٍ لم يكتمل. اللغة في الكتاب لا تكتفي بنقل الخبر، بل تستنطق الحجر وتستجير بالتاريخ الكامن في القرى المنسيّة على جانبي الطريق لتقول إنّ الحرب لم تقتل البشر فحسب، بل شوهت “قدسية المكان”. ولم تكن الكاتبة بحاجةٍ لتثبت أنّ الكرد جزءٌ من سورية التي تحتضن الجميع والذين عانوا كلّهم من ظلم الحقبة البائدة، بل كانوا ضحية تهميشٍ ممنهج طيلة عقودٍ ماضية، وأنّ هذه ليست معلومةً تُقال وتحتاج موثقاً وإثباتاً؛ وإنّما هي من البديهيات التي يعلمها كل حرّ صاحيَ الضمير.
تتجلى براعة الكاتبة في قدرتها على تطويع اللغة لتصف “رائحة الخوف” و”طعم الصبر”، مما يجعل القارئ لا يقرأ كتاباً، بل يعيش نبضاً حقيقياً كاد أن يتوقف تحت ركام الدمار، لولا أنّ الكتابة وهبته بقلمها حياةً أخرى.
يحمل اسم الكتاب “ليل ليلون” دلالةً مزدوجة؛ فهو يشير إلى الجبل جغرافياً، ولكنه يرمز فلسفياً إلى العتمة التي غلفت المصائر. هو ليلُ التيه الذي تضيع فيه ملامح “حلب” وتتوارى فيه “عفرين” خلف غبار النزوح. يمثّل الكتاب تجسيدٌ أدبي للمسافة التي تحولت من “طريق” إلى “مخاض” بين الموت والحياة، وهو صرخةٌ في وجه هذا الليل، ومحاولة لإيقاد شمعةٍ من الكلمات الصادقة وسط عتمة المسافات؛ المسافات بين حلب وعفرين، حيث لم يكن الطريق مجرد أميال، بل كان عمراً يُسفح على جنبات الجبل.
● ليل ليلون بين حلب وعفرين.
● شكران بلال.
● دار دلمون الجديدة 2023.
● الطبعة الأولى، 256 صفحة.