قراءة في رواية “لوحة تحت الرماد” للكاتب “باسل خليل”. كتبها: حسين قاطرجي.
في هذه الرواية يضع الكاتب الأسرة أمام مرآتين لا تعكسان الصورة بقدر ما تكشفان الحقيقة الضامرة في النّفوس؛ المرآتان هما: الفقر والحرب.
☆☆ في مرآة الفقر: لايكون رغيف الخبز الغائب بطل الرواية؛ بل يُعرّي الكاتب حقيقة العَوز ويثبت أنّ الفقر ليس خواء الجيب وعري الجسد؛ وإنّما هو شحّ الرّوح وعريها من جوهر القناعة والفضيلة. وإنّ أخطر أنواع الفقر هو ذاك الذي يتربّع على عرش العقل فيحوّله إلى مغارةٍ مظلمة لايسطع فيها إلا نور المال الزائل وصدى خشخشة النقود، دون أن يعي ما يملك من كنوزٍ وفضائل.
في الرواية: ينتقل “نبيل” مع أسرته (زوجته نوال وابنته سمر وابنه اسماعيل) إلى بيتٍ في منطقةٍ آمنة في مدينة حلب خلال أوج الحرب السورية، وفي هذا البيت يصادفون كنزاً دفيناً في مشكاة حائط، فيضطرب أفراد الأسرة لهذه اللقية الثمينة وينقسمون بين مؤيدٍ لأخذها واستثمارها (رأي الزوجة نوال)، وبين ردّها إلى أصحابها الأحقّ بها (رأي الزوج نبيل وابنته سمر). ومع تراكم تحدّيات المعيشة واشتهاء الثروة والغنى، يغيب عقل القناعة من رأس “نوال” ويتعطّل ضميرها عن إنفاذ الحقّ إلى أصحابه، فتطير ذات عشيّةٍ إلى الكوّة بجناحي الطمع والجحود وتستأثر بالثروة وحدها ظانّةً أنّها ستوقد من رماد الحاجة نار الوفرة والازدهار.
في فصول الرواية تتصدّع روابط الأسرة إثر الخلاف على المال، وتتعرّف “نوال” إلى من يطمع بها وبمالها فيغرّر بها لتشاركه مشاريعَ لا تلبث أن تثبت فشلها فتخسر عندئذٍ أمان الأسرة وتغدو أحلامها بالغنى ترفاً محرّماً لايتحقّق.
☆☆ في مرآة الحرب: يصبح البقاء معجزةً يوميّة، وتتكشّف معادن النّفوس عن جوهرها الأصيل، لم تكن الحرب قصف القنابل والقاذفات بقدر ما كانت محرقةً للأقنعة الزائفة حيث تتجسّد قسوة الذئاب في صورٍ بشرية تُعلن عن معدنها الخسيس الذي يتلذّذ بافتراس الضعيف واستغلال الفاقة، إنّه الصّدأ الذي لم يكن ليظهر لولا رطوبة الخوف وحمأة الدّم.
إذاً؛ تضعنا الرواية أمام مرآة الحرب الصادقة التي لا تجامل ولا تخاتل ولاتهدف أن تخلّد أسماء الضحايا، بل تُعمّد شخصياتها بـنار الامتحان فمنهم من خرج منها ذهباً خالصاً يلمع ببريق المجد كما “نبيل” الذي رفض رشاوٍ مقابل الموافقة على أعمالٍ غير قانونية كلّفته عمله، ومنهم من خان العهد والأمانة وباع الذّمم بأبخس الأثمان ثمّ تلاشى كـزبد سيلٍ منتن كحال الضابط الذي يرى في الآخرين (كلّ الآخرين) غنيمةً جاهزةً للنوال وما حاجة النّاس إليه إلا خنجراً مسموماً يطعن بها عنق الكرامة. ولا غرابة في ذلك فهو صنيعة أفرع الأمن التي تسكنها الأحقاد فلا يخرج للنّاس منها إلا أسوأ ما في الطباع البشريّة.
☆☆ لا نعدم في الرواية قصّة حبٍّ هادئةٍ رصينةٍ جمعت بين “سمر” وصديقها في الجامعة “فادي”، يقابل الكاتب في هذه العلاقة علاقة “نبيل” بزوجته “نوال”، ويُرينا ثبات الحبّ الحقيقي مقابل قناع المحبّة المزعومة، وأنّ العلاقة الزوجية الهشّة تتحوّل إلى ذئبٍ جائعٍ على مائدة التقاسم، بينما يثبت الحبّ بيقظة الضمير الذي لا يرى في بيت الأسرة إلا موئلاً وملاذاً آمناً.
☆ وعن الرواية؛ أحبّ أن أشارك القارئ النقاط السريعة الآتية:
– يتخلّل السّرد حواراً عاميّاً بين الشخصيّات يجري بالمحكية الحلبيّة؛ أحسب أنّه مفهومٌ لكلّ قارئٍ لأنّه دارجٌ على الألسن وغير مُغرقٍ بالمحليّة.
– يؤخذ على الكاتب استخدامه كُنى حلبيّة معروفة في تسميات شخصيّاته دون أن يستهلّ روايته بتنبيه القارئ على أنّها شخصياتٌ وهمية لاتمتّ إلى الحقيقة بصلة.
– أحببتُ الطريقة اللمّاحة التي ختم بها الكاتب روايته، فهو في حين ترك نهاية بعض التفاصيل مفتوحةً على خياراتٍ عدّة يملؤها خيال القارئ، نجده يُلمّح إلى استشهاد أحد أبطال الرواية دون أن يُعلن ذلك صراحةً؛ أرى هذا التلميح بارعاً في مكانه؛ ذلك أنّ الموت هو بضاعة الحرب المزجاة التي تقابلنا في كل زقاق، ويصير شباب البلد براعم بائسة يُصادر الرصاص أحلامها قبل أن تزهر.
– أحببتُ كيف حوّل الكاتب من الأم (رمز الصمود في زمني الحرب والسلم) إلى فريسةٍ لشهوة المال التي لا تتقن إلا فنّ الاحتيال، وكيف همّش الطفل “اسماعيل” عن المشهد تماماً تعبيراً عن منطق الحرب؛ حيث يتعلّم الأطفال منها فنّ الاختباء والنجاة بدلاً من الظهور واللعب.
☆☆ فحوى القول: تمثّل هذه الرواية محاكمة أخلاقيّة للواقع، وتطرح سؤالاً وجدانياً عميقاً يحقّ أن يتأمّله كلّ قارئ: ماذا يبقى من الإنسان حين تجرّده الحرب من بيته وأسرته وملاذه الآمن؛ فلا تترك له إلا أنفاساً متقطّعةً وزمرةً من أخلاقٍ حسنة؛ فهل تكفيه وحدها ليصارع بها لأجل البقاء؟!.
● لوحة تحت الرماد.
● باسل خليل.
● منهل القرّاء، 2025.
● الطبعة الأولى، 208 صفحة.