عمّة آل مشرق

☆☆ مراجعة رواية “عمة آل مشرق” للكاتبة “أميمة الخميس”. كتبها: حسين قاطرجي.
(إحدى روايات القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2026).


في مطلع القرن العشرين لم تكن رمال الخليج مجرّد تلالٍ من السكون؛ بل كانت مسرحاً لزحفٍ من نوعٍ آخر، زحفٍ لم يأتِ دائماً بحدّ السيف؛ بل بحملات التبشير المتخفّية بسماعة الطبيب وبضاعة التاجر ودفتر الملاحظات.

تجلو الكاتبة “أميمة الخميس” في روايتها “عمّة آل مشرق” غبار الزمن عن لحظةٍ فارقةٍ من عمر الخليج العربي، حيث كانت السفن البخارية القادمة من القارة العجوز تحمل على متنها رجالاً بوجوهٍ مخادعة وعزائم فولاذية، مهمّتهم ليست مجرد رصد الوقائع فقط، بل هي استنطاقٌ لروح الأرض وفهمها ومحاولة تغييرها حين كانت الرمال تخبئ في طيّاتها ملامح دولٍ توشك أن تولد، وربما تتّحد.

في الرواية خطّان زمنيان؛ الأول في بدايات القرن العشرين، والآخر في الربع الأول من القرن الحالي حيث يمضي “فواز” حفيد أسرة آل المشرق لإنجاز فيلمٍ سينمائيٍّ عن أجداده عموماً وعن “جازي” خصوصاً وهي العمّة الأثيرة للعائلة. ومن خلال عمله هذا والقصص التي يتواترها الأحفاد عن الأجداد يتكشّف شيءٌ من تاريخ منطقة الخليج العربي وحقيقة الاستشراق الذي غزا المنطقة في تلك الحقبة القريبة.

☆حول هذه الرواية أسجّل النقاط الآتية:

– يمكن للقارئ عدّ الاستشراق (المتدثّر بمعطف الطبيب بحسب تعبير الكاتبة) ثيمة الرواية الأساس باعتباره ظاهرة تاريخية أو بحثية، وخاصةً بعد قرونٍ من التنميط الذي مارسه العقل الغربي على الخليج العربي حيث صوّر الصحراء كفراغٍ موحش يسكنه البدوي النبيل!.

ولأنّ الاستشراق في الرواية الخليجية لم يعد حبيس الخيمة والناقة، بل انتقل إلى ناطحات السحاب ومشاريع الحداثة الفائقة. حاولت “أميمة الخميس” في هذه الرواية أن ترصد “الاستشراق الجديد”؛ الذي يرى في الخليج “حقل نفط” أو “ورشة بناء كبرى”، وكله من خلال الحفيد “فواز”، وأرى أنّ هذه الخطوة غير موفّقة ومضت بالعمل الروائي إلى تشتيتٍ واضطراب ولم يكن جزء الرواية هذا بمستوى الخط الزمني الأول الذي يحكي لنا سيرة الحملة التبشيرية التي انطلقت من البحرين إلى أراضي المملكة رفقة الممرض الأميركي ماثيو إيدن والزوجان هاريسون والقس بيننج وزوجته، والممرضة مارلين ودليلهم طلق بن عيسى وغيرهم..

– رغم أنّ زمن الرواية يغطي قرناً من الزمان إلا أنّني لم أجد فيها صياغة واضحة للهوية الخليجية، وبتعبيرٍ أدق: حاولت الكاتبة أن ترسم لوحة بانورامية لزمن ما قبل النفط حيث كان البحر والبادية هما ثنائي الوجود. ولكننا نفتقد هنا تصوير المخاض العسير لنشوء الكيانات السياسية والاجتماعية؛ فالرواية لم تُلتقط بوضوح تلك اللحظة التي انتقل فيها المجتمع من “القبيلة” إلى “الدولة”، ومن “العفوية” إلى “المؤسسة”، واكتفت (نسبيّاً) بتوثيق صراع الإنسان مع الطبيعة القاسية، وصراعه مع الغرباء المختلفين عنه ثقافياً ودينياً؛ وكلّه لبناء كيانٍ مجتمعيٍّ قابلٍ للحياة.

– أحببتُ سيميائية “العمّة” كرمزٍ للذاكرة، حيث تتجاوز شخصية “العمّة” إطارها الفردي لتصبح رمزاً للأرض الأم أو الذاكرة الجمعيّة التي لا تخبو. إنها “البوصلة الأخلاقية” وسط رياح التغيير العاتية. تكمن البلاغة هنا في جعل الأنثى هي الحاضنة للتاريخ، والشاهدة على تحوّلات السياسة والاقتصاد، مما يعيد للذاكرة النسوية دورها المحوري في صياغة الحكاية الكبرى للخليج.

بالمجمل، هذه رواية جميلة إذا لم نرفع سقف توقعاتنا بأنّنا نقرأ لكاتبة كبيرة مثل “أميمة الخميس”، واكتفينا بتركيزها على التاريخ الموازي لدول الخليج من خلال حياة (عمة آل مشرق) حيث تفاصيل الحياة اليومية التي شكلت الوجدان الخليجي والتي تؤكد أنّ الدول لا تُبنى باللؤلؤ والذهب الأسود فحسب، بل تُبنى أولاً بصلابة الإنسان وعمق جذوره في أرض الأجداد.

●عمّة آل مشرق
● أميمة الخميس
● دار الساقي 2024.
● الطبعة الأولى، 400 صفحة.