مراجعة رواية “سهراب يُبعث من جديد” للكاتبة “زينب يوسف”. بقلم: حسين قاطرجي.
إنّ الحديث عن رواية “سهراب يُبعث من جديد” للكاتبة “زينب يوسف” يستدعي لغةً تتسامى إلى فضاء الملحمة التي رسمتها والعمق الروحي والفلسفي الذي احتوت. هي ليست مجرد حكاية تُروى؛ إنّما هي سفينة نوح تجوب أمواج الأساطير حاملةً على متنها جذوة حبٍّ فارسي عتيق بزغ نوره من قريةٍ وادعة في “تبريز” من منتصف القرن الخامس عشر إلى منتصف القرن السادس عشر، تلك الحقبة التي كانت فيها أصقاع الأرض تموج بالتحوّلات الكبرى، كـالزحف العثماني الذي يغيّر الخرائط، واكتشاف العالم الجديد الذي يفتح آفاقاً مجهولة.
إن “سهراب يبعث من جديد” هو عنوان يتشح بثوب الرمزية العميقة، مُستَلهماً من أساطير البعث والتجدّد، فهو لا يعني عودة جسدية فحسب، بل تجسيد لروح الحب الخالدة التي تتناسل عبر الأجيال، وتُبعث في كل زمانٍ ومكانٍ لتواجه أعتى فتن الحياة. إنّه اعترافٌ صريحٌ بأنّ الحبّ الحقيقي هو جوهر الوجود الذي لا يبليه تقلب الأقدار.
تتخذ الرواية من قصة حبّ أسطوريّ منطلقاً لها، لكنها لا تكتفي بحدودها الضيقة، بل توسع المشهد ليصبح بانوراما تاريخية وثقافية واسعة. هي قصة تمتد لقرن من الزمان تقريباً، تتعدد فيها الشخوص: من سهراب إلى فريد وأميمة وابراهيم وآريا وجورج ورستم ونرجس وغيرهم، لكنّ خيطهم الناظم هو تلك العاطفة الصادقة التي تتشابك في دروب مختلفة، ولكلٍّ منهم حكاية تأتلف أخيراً فيما بينها كقطع اللوحة الفسيفسائية.
الكاتبة “زينب يوسف”، بخزينها الثقافي والتاريخي، لا تسرد الأحداث تسلسلاً خطياً مملاً، بل تجعل الأزمنة والأقدار تتناغم في سيمفونية معقدة. وتتبدّى الأحداث كلاً على حدة، لكنها تجري وفق ميقاتٍ مُحدّد، وكأن هناك قدرة خفية ترتّب تلاقي الأرواح والانفعالات، وهذا النَسْج الملحمي يعطي الرواية طابعاً أثيراً وملغزاً، يُبقي القارئ في حالة من الترقّب المستدام.
☆ وحول الرواية أشارك القارئ النقاط الآتية:
في الروايات الضخمة، غالباً ما يُخشى على الكاتب، إن لم يكن محترفاً، تضييع الفكرة الثيم أو الإسهاب فيما يُملّ، أو تشتيت القارئ في حكاياتٍ ثانوية لاتخدم المحور العام، رواية “سهراب يُبعث من جديد”التي تمتدّ على ما يقارب الـ 568 صفحة، تُظهر براعة الكاتبة في تماسك الموضوع، ضامنةً الإثارة والتشويق عبر تناول قضايا اجتماعية وإنسانية وعوالم تاريخية بأبعادها المختلفة.
تتعمّد الكاتبة جعل روايتها الأولى في مسيرتها الأدبيّة “سهراب يُبعث من جديد” رحلةً فلسفيّةً حول مفهوم البعث الذي يتجاوز الموت، وتستنطق التاريخ والأسطورة متنقّلةً بين شخوصٍ وأماكن متباينة؛ لتظهر جليّاً في الرواية ثنائيّاتٍ عدّة من مثل: الموت والبعث، الأبوّة واليُتم، اللقاء والفراق، والمسيحية والإسلام، والثقافتين العربية والفارسية.. ولأنّه كما في الملاحم الكبرى يصعب الحديث عن موقفٍ أو حدثٍ متفرّد فسأكتفي هنا باختيار شخصيةٍ فريدة في رواية “سهراب يبعث من جديد”، وهو حفار القبور “فريد” الذي لايقتصر على كونه عامل في مقبرة، بل هو الخيط الإنساني الذي يربط بين الماضي والحاضر، وهو الخطوة الفاصلة بين عالم الأموات وعالم الأحياء.
تقدّم الكاتبة “فريد” على أنّه الحارس الأمين للذاكرة فهو لايتعامل مع القبور من الناحية المادية، بل من الناحية المعنوية أيضاً، ويتعامل مع “سهراب” كأنّه شخص حيّ حاضر الروح، مما يعكس فلسفة الرواية في أنّ الموت ليس نهاية الوجود.
يمثل “فريد” دور الموجّه الحكيم الذي يلجأ إليه أبطال الرواية الآخرون للتعرّف إلى “قصة سهراب” (كما في ص 474 ومايليها). هو الذي يمتلك الحكايا والأسرار التي لم تذكرها كتب التاريخ، ويقوم بسردها بأسلوبٍ فلسفيٍّ باذخ يمزج بين الواقعية والروحانية. كما أنّ الرابط الرمزي بين الأسطورة وهذه الرواية يتحقّق جزئيّاً من خلال شخصية “فريد”، فهو الذي يُبقي “سهراب”حيّاً في قلوب الزوار وفي ذاكرة المكان، وكأن حفر القبور بالنسبة له هو عملية (حفر في التاريخ) لاستخراج الحكمة والعبرة.
☆ إنّ افتراض الكاتبة لثقافة قارئها، لا سيّما في رحاب الأساطير الفارسية العريقة كقصة “سهراب” المأساوية، ليس مجرد خطوة إجرائية في الكتابة، بل هو دعوةٌ صريحةٌ للروح المُتلقّية كي تخلع ثوب الجهل وتلتحف رداء المعرفة الأصيلة. هي بذلك لا تخاطب عيناً تقرأ، بل وعياً يستحضر وينهل من ينبوعٍ ضاربٍ في القدم. ولأنّ الكاتبة تُومِئُ منذ عنوان روايتها إلى ملحمة (سهراب بن رستم)، تلك التراجيديا التي خطّها “الفردوسي” بمداد الألم، فإنّها تمنح قارئها، في هذه الحالة، شرف الائتمان على أسطورةٍ تاريخيّة. هي لا تضطر إلى سَرْدِ تفاصيل الملهاة الأبدية؛ صراع الأب والابن ولقاء القدر الذي يختم بدماء الفتوّة على يد البطولة المُسنّة؛ بل تروم الاختصار واستخلاص الحكمة التي هي عقدٌ ضمنيٌ يرفع القارئ من مُستهلك للنص إلى شريكٍ؛ لا أقول في صُنعه بل على الأقل في تأويله.
إنّ الإشارة إلى “سهراب” في العنوان أولاً يجعل النصّ مُثقلاً بالدّلالات الكُبرى، فالقارئ الذي يعرف عمق مأساة “سهراب” يغدو قادراً على تَلَمُّسِ خيوط القدر والبطولة وألم الفرقة الذي سيكتشف أنّه يقود إلى الفناء في السياق الروائي الذي تطرحه الكاتبة. كأنّها تقول: “حاجتي إلى التعبير عن مأساة الحاضر سيفهمها القارئ بعمق، لأنّه يحملُ في وجدانه ميزان مأساة سهراب الأسطوري العتيق”؛ (ولأجل هذا قلت آنفاً) أنّ الكاتبة تفترض أنّ قارئها مثقّفٌ عليم.
إنّ رواية “سُهراب يُبعث من جديد”، وبما تحمله من رموزٍ للصراع الداخلي والعمى الأبوي والمصير المَحْتوم، تتحوّل في ذهن القارئ (المُثقّف) إلى أيقونةٍ للألم. كما أنّ البناء الجمالي الثري أتاح للكاتبة الانتقال برشاقة بين الأزمان والثقافات، مُحقّقةً وحدةً موضوعيةً بين ما هو فانٍ وما هو أسطوريٍّ خالد. إنّ القارئ إذ يرى انعكاس نور الأساطير الفارسية على صفحات النصّ الحديث، يُدرك أنّ الكاتبة لا تبحث عن قصةٍ تُروى وتُنسى، بل عن جوهر القَصَص الإنساني، وبهذا تكون الكاتبة قد نَصّبَتْ قارئها قاضياً ومحكّماً، لا يتفرّج، بل يشارك في إيقاظ الأرواح النائمة في النّصوص الخالدة، جاعلةً من فعل القراءة حواراً حضارياً بين ثقافاتٍ شتّى.
☆ استخدمت الكاتبة لغةٌ مُشفّرة أغنتها عن حشدٍ من الكلمات لتصف عمق الصدام التراجيدي، أو سخرية الحدث الأعمى. فكلمة “سهراب” وحدها، في سياقٍ مُعيّن، تُطلق في الذهن شلالاً من الصور والأحاسيس: غدر، بطولة، أبوّة مفقودة، جهلٌ مستحكم وخسارة فادحة.
وفحوى القول: نحن أمام فصولٍ من صياغةٍ عبقريةٍ جديدةٍ لمرثية التاريخية ستذكِّرُ الأجيالَ دائماً بأنَّ أعتى الصراعاتِ هي تلك التي تدورُ رحاها بينَ الأهلِ والأحبابِ في غفلةٍ من الزمان.
● سُهراب يُبعث من جديد
● زينب يوسف.
● دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع.
● الطبعة الأولى 2024.
● 568 صفحة.