جورة الهمّ، سورية في زمن الأسد

مراجعة كتاب “جورة الهم، سوريا في زمن الأسد” للكاتب “محمد أمير ناشر النعم”. بقلم: حسين قاطرجي.

مرّت سورية بفصولٍ مأساويةٍ من الألم والمعاناة تحت حكم الديكتاتور حافظ الأسد وابنه بشار، حيث طغى الخوف والظلم على حياة المواطنين، من لحظة استلام حافظ الأسد للسلطة حتى توريثها لابنه. لقد سادت في البلاد حالةٌ من السيطرة التامة على كل مفاصل الحياة، وكانت كل محاولة للتمرّد (على ندرتها) تُقمع بوحشيةٍ لا تعرف الرحمة.

استهلّ “حافظ الأسد” حكمه بمجموعةٍ من السياسات القمعيّة التي غُلفت بذرائع الحفاظ على البلاد والوحدة، ومحاربة العدو الإسرائيلي، لكنها في الحقيقة كانت غطاءً لفرد سلطةٍ عسكريةٍ وحشيّةٍ على الشعب؛ جعلت آلة القمع الثقيلة الحياة اليومية للمواطنين أشبه بكابوسٍ لاينتهي، حيث امتلأت السجون بالمعارضين، وأصبح مجرّد التفكير في المعارضة مخاطرة قد تقود إلى مصيرٍ مجهول.

ومع بداية حكم “بشار الأسد”، كانت آمال الشعب في الانفراج والانفتاح كبيرة، ولكن سرعان ما تبدّدت هذه الآمال. فعلى الرغم من الوعود بالإصلاح والانفتاح، إلا أن النظام استمرّ في ممارسة السياسات القمعية ذاتها، بل وزاد عليها بأساليب أكثر تطوراً. لقد واجهت المظاهرات السلمية بالعنف المفرط، وتحولت المدن إلى ساحات حرب نتيجة الردود العسكرية القاسية على مطالب الشعب بإسقاط النظام.

في ظل هذه الأجواء التي تكتنفها الرهبة والخوف، أصبح المواطن السوري محاصراً بين مطرقة النظام وسندان الفوضى التي خلفها في البلاد. وتفاقمت العواقب الوخيمة، فظهرت الجماعات المسلّحة التي تحارب باسم الثورة والدّين، وانتشرت الحروب الأهلية، وعمّت الفوضى التي جعلت الكثير من المدن السورية تغرق في الدماء والدمار، وتشرّد الملايين من أبناء هذا الشعب الصابر.

سورية التي كانت في يومٍ من الأيام رمزاً للتنوع الحضاري والثقافي والتعايش السلمي بين مكونات المجتمع، أصبحت رمزاً للثأر والتشفّي بين الطوائف المتناحرة. وتستمر هذه المعاناة وسط محيطٍ دوليٍّ هشٍّ ومشلولٍ وغير قادرٍ على تقديم حلٍّ جاد، وفي ظل استمرار الفوضى والعبثيّة، تظل الحياة في سورية محمّلة بعبق الحزن والرهبة في انتظار مستقبلٍ (ربما) يحمل قبساً من الأمل.

☆ لأن عنوان الكتاب “جورة الهمّ”؛ والجورة فيما اصطلح عليه السوريون هي الحفرة، فقد قسّم المؤلف كتابه إلى دركاتٍ بدلاً من فصول، أولها العتبة نزولاً بنا إلى دركة الحضيض.

يفصّل لنا الكاتب في دركاته أحاديث شتى حول ذكرياته في سورية زمن الديكتاتور الأكبر، منذ يفاعته ودراسته في المدارس الشرعية وصولاً إلى أحداث الثورة وهروبه من البطش المستفحل الذي كاد ان ينال منه وعائلته. (يحدثنا الكاتب بإسهاب كيف داهمهم الجيش وهم في حقلهم بوابل رصاص أدى إلى إصابة ابنه).

كما فصّل لنا الكاتب الأساليب الأساسية التي انتهجها المقبور “حافظ الأسد” في السيطرة على شعبه، منها ما أسعفه بها خياله المجرم ومنها ما اقتبسه عن نظرائه الذين سبقوه في تاريخ الترويع والإجرام، لكن دون أن يتفوّقوا عليه (كزيارته إلى كوريا الشمالية وانبهاره بفكرة طلائع البعث حيث تنشئ الطفولة على تأليه الحاكم وتقديسه).

ومن الأساليب الأساسية التي ذكرها الكاتب واعتمدها الديكتاتور هي القمع الوحشي باستخدام القوى الأمنية. حيث عمل على تشكيل أجهزة أمنية قوية ومسلّحة، تُستخدم لاعتقال وتعذيب المعارضين وتشديد القبضة الحديدية على أي صوتٍ معارض. وبالإضافة إلى القمع الأمني، يعتمد الديكتاتور على الرقابة الشديدة على الإعلام وحرية التعبير. حيث أغلق الصحف المستقلة وقلّص الحرّيات الإعلامية فلم تبقَ إلا المنصّات الإعلامية الموالية له الهاتفة بحبّه والتي تنشر الدعاية التي تمجد الحاكم وتشيطن خصومه. كل ذلك يخلق ذلك بيئةً من الجهل والخوف، مما يُعيق أي مقاومة منظمة ضد النظام القائم.

تستخدم الديكتاتورية أيضاً أسلوب ترويع الشعب من خلال خلق أعداء خارجيين وداخليين وهميين. من خلال تصوير وجود تهديدات خارجية دائمة أو مؤامرات داخلية، يتمكن الحاكم من تبرير إجراءات الطوارئ القاسية وتكثيف القمع. بذلك، يتجمّع النّاس حول الحاكم الذكي، خوفاً من الأخطار المزعومة، ويصبحون أكثر تردّداً في الاعتراض أو المقاومة.

أحسن الكاتب في تفصيل أسلوب الديكتاتور “حافظ الأسد” ومن ورائه زبانيّةٌ غلاظ في استخدام اللغة وتطويعها بما يتلائم وأهدافه وبما ينعكس في وجدان الشعوب على المدى القصير والبعيد، من مثل: الهتافات التي يصيح بها المساكين صغاراً وكباراً في المسيرات الشعبية، والصفات والألقاب التي يُغدقها الاعلام على هذا الحاكم المتألّه.

كما اعتمد المقبور على التلاعب بالمشاعر الوطنية والدينية. من خلال إثارة المشاعر القومية أو الدينية، حيث يحاول توحيد الشعب تحت رايته، متجاهلاً الفجوات والانقسامات الطبقية والاقتصادية. يستغل الديكتاتور هذه الوحدة الزائفة لإطالة أمد حكمه وزيادة سيطرته المطلقة على مفاصل الحياة في البلاد.

بهذه الأساليب المرعبة، وغيرها كثير يتمكن حرامي السلطة ومن بعده ابنه، ومن بعد ابنه كان على الأغلب سيأتينا حفيده، من فرض سلطتهم بلا منازع، مما يثير الرهبة في قلوب الشعب ويخلق مجتمعاً يعيش تحت رحمة الخوف والاضطهاد. إنها دورة قمعية مظلمة ومريرة، تحمل في طياتها تدميراً بطيئاً لروح الأمة ووأداً لأحلام المستقبل.

لا يمكن عدّ الكتاب على أنّه دراسةً عن ديكتاتورَي سورية الأكبر والأصغر، ولا يمكن عدّه توثيقاً لأحداث الثورة، بقدر ما هو فضفضة وجدانية للأهوال التي خاضها الكاتب، وذكرياته في وطنه الأم، وأحزان الغربة التي لم تساوي عنده رغم إيجابيتها حفنةً من تراب وطنه..

صدر الكتاب قُبيل تحرير سوريا من هذه السلطة القمعية، وكنت أتمنى لو صدر بعدها لأقرأ من فكر الأستاذ “محمد أمير” نظرته ورؤيته الحالية إلى سوريا وما يحصل فيها، وربما يتأنّى الكاتب لتحضير كتابٍ الجديد، لحين وضوح الصورة وانجلاء غيوم الترقّب التي تعصف بالبلاد.
وأتمنى حتى ذلك الحين ألّا تزداد الجورة، جورة الهم عمقاً واتساعاً..!!

☆☆ مقتبساتٌ من الكتاب:

“الله مُميت وسليماني قاسم.
قسّم الموت على مزاجه: ثمنٌ للبنان، ومثله لإيران، وثمنٌ للعراق، ومثله لليمن، ونصفٌ لسوريا بلاد معاوية ويزيد. جعلها قاسم قبراً دون قعر. لا تمتلئ أبداً من أجساد الأطفال والنساء والعجاىز والرجال والمقاتلين، ولو امتدّ به الزمن لضرب لمصر عمرو بن العاص بسهمٍ وافرٍ ونصيبٍ مُجزٍ”

“الحكمة الشعبية داهيةٌ. تعرف كيف تصوّغ أفكارها وكيف تعمّمها: 《من ترك دياره قلّ مقداره》المنفي قليل المقدار، ضئيل المكانة، وعندما يأتي من عالمٍ صُنّف على أنّه أدنى فحظّه أن يكون في موقع التعلّم والاستفادة فقط. تخبرني تجربة سنواتٍ عديدةٍ في ألمانيا ما يلي: أنت مُرحّبٌ بك ما دمت بحاجةٍ إلينا. تتعلّم منّا. اطلب ما تشاء وعيوننا لك. كن تلميذاً وفيّاً، حاول أن تندمج. اشكرنا وهزّ ذيلك مرحاً وطرباً وامتناناً وسوف نصفّق لك. أنت دليلٌ على إمكانيّة تعلّم الإنسان وتطوّره، ونحن هاهنا لنعلّمك ونطوّرك. سوف نأكل طعامك، ونقول: أووه! يم يم! ولكن لاتعدو قدرك.”

• جورة الهمّ، سوريا في زمن الأسد.
• محمد أمير ناشر النعم.
• ميسلون للثقافة والترجمة والنشر.
• الطبعة الأولى 2024، 220صفحة