مراجعة رواية “بار كينو” للكاتب الياباني “هاروكي موراكامي”. كتبها: حسين قاطرجي.
يعدّ الروائي الياباني “هاروكي موراكامي” أكثر كتّاب اليابان انتشاراً عند القرّاء العرب، حيث يُقبلون على أعماله بنهمٍ واضح، وهذا ليس لأسلوبه الأدبي وأفكاره الخلّاقة فحسب، بل ربّما لأنّ القرّاء العرب لم يصلهم من أعمال أدباء اليابان غير رواياته مع قلةٌ قليلة من أعمال غيره. لا أقول هذا انتقاصاً منه، بل اعترافاً بتقصير حركة الترجمة العربية بالمجمل.
الكاتب متفرّغ تماماً للكتابة شأنه شأن نظرائه من كتّاب العالم المتحضّر، حيث تدرّ عليه منشوراته رزقاً يُخرجه من دائرة الكفاف والفقر المدقع (كحال أدبائنا العرب)، ولهذا نجده غزير الإنتاج، لكنها غزارةٌ متفاوتة في القيمة الفنيّة والأدبية، فمن أعماله ما لايمكن وصفه إلا بالفراغ أو الثرثرة المملة. (هذه النوفيلا أنموذجاً).
عانى الكاتب من حبسةٍ أدبية، إذ جافاه إلهامه وانقطعت عنه أسباب الإبداع، وعجز الرجل عن استدعاء فكرةٍ جديدةٍ يحشد فيها جمهوره مرةً أخرى أمام المكتبات لشراء روايته. وذات يوم من عام 2015 طلبت منه مجلة “نيويوركر” الرصينة نشر قصةٍ له، فأعطاها من أعماله القديمة شيئاً ما كان يتوقع له النجاح، فبِيع من المجلة آلاف النسخ، وهذا ما حفّزه لاستكمال القصة بقصصٍ أخرى وضعها في كتابٍ اسمه “رجال بدون نساء” بيع منه 72 ألف نسخة خلال أسبوعين!!.
تبدأ النوفيلا هذه مع بطل الرواية (كينو)، الذي يمرّ بفترةٍ من التّيه الذاتي بعد انهيار حياته، فهو عدّاء شهير لكنه فقد قدرته على الركض بسبب حادث أليم، وفقد عمله في شركة السلع الرياضية، ثم خسر حياته الزوجية بعدما وجد زوجته مصادفةً تتغنّج في أحضان صديقه الحميم. هذه الابتلاءات المتلاحقة أفقدت “كينو” المسكين كل آماله وطموحاته في حياةٍ رغيدة فقرّر لنفسه الانسحاب إلى مشروعٍ هادئٍ بسيط يكمل فيه ما تبقى من عمره المرير.
يستأجر “كينو” محلاً تعود ملكيته لخالته ويحوّله إلى بارٍ بسيط يعمل فيه وحيداً، ولأنّ البار متطرُف في زاويةٍ نائية من الحيّ؛ فقد كانت زبائنه قليلة، لكنّه تأقلم في هذا الوضع الجديد طالما أنه معتزلٌ العالم ومشاكله.
فحوى النوفيلا ومغزاها أنّ “كينو” يبدأ في التعرّف على مجموعةٍ من الشخصيات الغامضة التي تتردّد إلى المكان، وتدور بينهم حواراتٍ شتى ويتعرّف من خلالهم على حياتهم الخاصة ويحاول مساعدتهم على الأقل من خلال الاستماع إليهم. و يأبى “موراكامي” كعادته أن تخلو النوفيلا من لقاءاتٍ حميمة تجمع “كينو” مع إحدى صديقاته الجدد اللواتي يتردّدن إلى باره.
تُعالج الرواية بالدرجة الأولى ثيمة الوحدة والإرهاق النفسي الناجم عن مخالطة البشر، لكنّه لايجعل الهروب منهم حلاً، إنّ “بار كينو” ليس مكاناً للتسلية فحسب، بل هو رمزٌ لنقطة التقاء خيال البشر مع أشباح ماضيهم، وفشلهم في القدرة على تقدير الحياة بصورتها الحقيقية.
خلاصة الكلام: “بار كينو” نوفيلا لها فكرة واضحة وجميلة لكن يبدو أنّها كُتبت على استعجال، أو بغير اهتمامٍ، أو بقصد التعديل اللاحق، لا أجدها بقيمة الأعمال الجميلة الخالدة التي كتبها حبيب القرّاء العرب “هوراكي موراكامي”.
● بار كينو
● هاروكي موراكامي.
● ترجمة: اسكندر حبش.
● دار دلمون الجديدة.
● الطبعة الأولى 2023, 74 صفحة.