مراجعة رواية “الليلة الكبيرة” للكاتب والمترجم المصري “محمد الفولي”. بقلم: حسين قاطرجي.
بدايةً، تعرّفت إلى المترجم المصري “محمد الفولي” عبر فضاء (الفايسبوك)، واستعمر تعارفنا عند هذا الحد، فلا هو جاءني سورية ولا أنا ذهبت إليه في مصر، وعرفتُ أنّه مترجمٌ متقنٌ عن الإسبانية؛ ليس مقارنةً من طرفي بين ترجماته والنصوص الأصلية؛ فأنا لا أعرف مفردةً إسبانيةً واحدة؛ بل عرفتُ إتقانه من خلال الجوائز المُنصفة التي حازها (ويحوزها).
ثم عرفتُ حسّه الفكاهي، ونكتته الحاضرة من خلال فكرته الطريفة التي أطلقها منذ مدّة بعنوان: (أغلفة موازية)، وقد ضجّت بها الأوساط الثقافية المهتمّة بالكتب وسوق النشر، وقد سُقتُ ركائبي ضمن هذه الحملة وأطلقتُ أغلفتي الموازية أيضاً (راجعوا التعليق الأول). وقد بلغ الحسّ الفكاهي عند “الفولي” أن تنمّر الرجل على نفسه وأطلق صفحةً فيسبوكية لشخصيّةٍ أدبيّةٍ مُتخيّلة، اختارَ له اسماً (محمد البقولي) ليناكف بها نفسه ويستبق جمهور المتنمّرين على أدبه وترجماته، إن وُجِدُوا، بما قد تحدّثهم بها أنفسهم!!
إذاً، كلّ ماسبق يستدعي منّي، ومن كلّ قارئٍ أن يُعلي سقف توقعاته من روايةٍ يكتبها “محمد الفولي”، وهذا ما فعلت، لكن أن تقتحم مركبةٌ فضائيةٌ أرض ملعبٍ يلعب عندها أولادٌ كرة القدم في (مؤخرة) الكرة الأرضيّة، فهذا لم يصل إليه سقف التوقعات، ولم يكن بالحسبان أصلاً !!.
☆ الواقع أجدني في حيرةٍ من أين أبدأ، وقد رأيت جمهوراً عريضاً من محبي الكاتب/المترجم أوسعوا الرواية نقداً وتحليلاً ومراجعةً إلى درجة أن يكون كل شيءٍ جديدٍ يُكتب عنها هو إعادة ماقاله السُّبّق، ولكن طلباً للاختزال أضع أمامكم بعض النقاط التي سجلتها خلال المطالعة:
- يهوى الكاتب أن يصدم جمهوره بفكرةٍ غريبة أو حدثٍ جلل، يدفعه إلى ذلك الكوميديا وحبّ الفكاهة التي فُطر عليها، يظهر لي، من هذا الباب، أنّ الكاتب حاول أن يخالف توقعات كلّ القرّاء، ابتداءً من الحدث الأبرز/ الأساس، ومروراً بتفاصيل حياة كلّ الشخصيات.
- اختار الكاتب شخصيّاته من (سوق الجمعة)، لا أقول هذا استخفافاً بها؛ بل أعني أنه اختار شخصيّاتٍ رضيَت أن تكون على هامش الحياة، هي الشخصيّات التي تنأى بنفسها عن مركز الأحداث، لكنّها تلعب دوراً بارزاً في رسم ملامح البيئة المحيطة وفي إبراز التناقضات الاجتماعية والنفسية التي تحتضنها الرواية.
- وإمعاناً في التناقض، جاء لشخصيّات القاع هذه بحدثٍ جلل (مركبة فضائية تقتحم أرض الموقف) حيث أخرجهم بها من عزلتهم في ذيل العالم وعرّاهم الراوي العليم أمامنا واحداً تلو الآخر!!.
- مع مرور فصول الرواية سيكتشف القارئ أن هذه الشخصيّات تشبهه، تتقاطع معه ببعض التفاصيل، وسيرى في كلٍّ منها انعكاساً لجانبٍ من جوانب حياته، وهذه حيلة ماكرة من الكاتب ليخبر فيها القرّاء بأنّهم وحدهم مجتمع الظلّ الذي يحتاج أن يعيد النظر في ماضيه وأن يُصلح مافسد منه..
- من خلال القراءة المجهرية (محاولة قراءة ما بين الأسطر) لاحظتُ عند معظم شخصيات الرواية نقاطاً مشتركة: ماضٍ مخزٍ سقيم، الخلوّ من الانجازات والنجاحات مع قدرتهم على الوقوف رغم المصائب والاخفاقات والأخطاء، تعمية اخفاقاتهم الحياتية وذلك من خلال استخدام أسماء قوية، ولغة تخاطب حادة وسوقيّة تمنحهم هيبةً وشأناً في مجتمعٍ هو أصلاً في (مؤخرة) العالم.
- لماذا أهدى الكاتب روايته إلى (محبي اللغة الرصينة)؟ أرى أن الكاتب لايعني بإهدائه هذا مايتبادر إلى ذهن القارئ بأنّ اللغة الرصينة هي اللغة الفصحى المعجمية ذات التراكيب البلاغية، بل -ربّما- قصد بها اللغة التي من خلالها نفهم بيئة الشخصيات، والمجتمع الذي يجعل من هذه اللغة إحدى مخرجاته ونفهمهم من خلالها..
- الرواية مزيج من الديستوببا، الكوميديا السوداء، الفانتازيا، ثمّ أنّ طريقة تعامل أهالي “أرض الموقف” مع المركبة الفضائية لاتشبه بحال ما يمكن أن يفعله الشخص العادي صحيح العقل، ولكنّ حضور هذه المركبة كان إيذاناً بفتح بوابات الماضي وتاريخ كلّ شخصية، أرى في ذلك إسقاطاً على المجتمع العربي الذي ينأى بنفسه عن الأحداث العِظام التي تقتحم حياته وهو لايزال مشغولاً بماضيه وذكرياته!!
ملخص القول: على الرغم من جوّ الرواية المازح والساخر، يظهر وبقوّة الإسقاط التشاؤمي على الواقع، يبرز مجتمع “أرض الموقف” في حالة تدهور وانحدار، وبلا موقف من كلّ المجريات الطارئة عليهم، وفي هذا السياق تطرح الرواية تساؤلاتٍ حول مستقبل الإنسان (على الأقل إنسان أرض الموقف الذي يمثلنا) في ظل التقدم التكنولوجي والتغيرات السياسية والاجتماعية.
¤ الليلة الكبيرة
¤ محمد الفولي
¤ دار ديوان، الطبعة الأولى 2025.
¤ 208 صفحة.