الرّجل الذي وجد الحقيقة

حول نوفيلا “الرجل الذي وجد الحقيقة” للكاتب الروسي “ليونيد أندرييف”. كتبها: حسين قاطرجي.

كلّ من يعرفني عن قرب يعرف طبعي المتفائل وإيجابيّتي وإقبالي على الحياة، ولهذا السّبب كنتُ أتراجع في كلّ مرّة عن قراءة أدب “ليونيد أندرييف” لما سمعتُ كثيراً عن سوداويّته المفرطة ونظرته الكالحة للحياة، وأنا في غنى أصلاً عمّن يعكّر مزاجي الرائق. ثمّ قلتُ في نفسي أنّني صرت في عمرٍ يجعلني محصّناً من عدوى التشاؤم، فلِمَ لا أقرأ له وأحكم بنفسي على أدبه بعيداً عن تنظير القرّاء والنقاد؛ ففعلت.

☆ بدايةً؛ ولمن لايعرف “أندرييف” (1919-1871)، فإنّ هذا الرجل حاول الانتحار أربع مرّات، وسعى في مناكب التشاؤم سعياً جعله أيقونة العدميّة، ومعظم أعماله الأدبية ذات طابع ديني، يستلهم شخصيّاته من العهدين القديم والجديد؛ ويروي عنها قصصاً مغايرة تماماً لما روته الكتب عنها. وقد قرأتُ قصصه: أليعازر، في يوم الصّلب، الجدار، الأرض، وأكتفي بالحديث عن نوفيلا “الرجل الذي وجد الحقيقة”.

في هذه النوفيلا بدأ الكاتب يعطينا الكآبة بجرعاتٍ خفيفة غير قاتلة، نكزاتٍ بسيطة في خاصرة الأمل (ستتحوّل لاحقاً إلى طعنات)، واقعيّةٌ مُرّة عن رجلٍ عجوزٍ سُجن ظلماً لجريمةٍ لم يقترفها، وصار عليه أن يقضي مابقي من عمره في زنزانةٍ متهالكة ما فيها إلا كوّةٍ علوية هي السّرّة التي تربطه بالعالم الخارجي.

– يتوغّل الكاتب في سرد الروتين اليومي لهذا الرجل الذي يحوّله السجن حكيماً، ويصير له نظريّاتٍ حول الحياة ونهايتها (ولانهايتها)، وهي بالمجمل نظريةٌ مفادها أنّ الحياة مهزلةٌ كونية بائسة ومستمرّة، يختلط فيها العبث بالشقاء، وتُنصب فيها الفخاخ السّاذجة لقلوبنا الطيبة؛ ولهذا فهي لاتستحقّ أن تُعاش لأنّ كل مافيها إنّما هو استعدادٌ مبكّرٌ للدموع، والسّلامة في الهروب والتنصّل منها على وجه السّرعة!.

– في مفاجأةٍ غير متوقّعة سيُخرج الكاتب بطل روايته من السّجن، ويحوّله إلى رجلٍ غنيٍّ ميسور، هنا سيظن القارئ أنّها بهجة الحياة التي لابدّ أن تنتصر، ولكنّ، مهلاً، “فأندرييف” خبير الكوارث، والماهر في سلخ السعادة من الحياة يتربّص بقارئه بفكرةٍ لايتوقعها:

– لقد اعتاد بطل الرواية على روتين السّجن، ولمس في حياته الجديدة الباذخة تفاهةً واستيحاشاً، فأختار لنفسه غرفةً صغيرةً في قصره المنيف وجعل لها كوّةً علويّةً ذات قضبان، وجعل من خادمه حارساً لسجنه، وهكذا أكمل حياته بعد أن خلع عنها رداء البهاء والوفرة، وأنقذ نفسه من براثن الأمل!!.

– قرأتُ غير دراسةً عن أدب “أندرييف”، وبعد قراءتي جُلّ أعماله أجدني متّفقاً مع بعض مع ذهب إليه النقّاد بأنّ “أندرييف” يقترب من أن يكون “ديستوفيسكي” العصر، لولا أن عاجله الموت وهو في أوج عطائه.

☆ فحوى القول: لايحتاج الكاتب تزكيتي، ولا إشادة النقاد، أدبه يتكلّم عنه بوضوح، ولكنني، بصفتي قارئ، أستمتع بقراءة أدبٍ مُغايرٍ تماماً، هذا الرّجل ينفح سمّ اليأس والقنوط في الأرواح زُمراً زُمراً، ويقول للقرّاء بأنّ الحياة شيءٌ سيّء، وإنّ الأسوأ لم يأتِ بعد؛ ولكنّه في طريقه إليكم حتماً!.

● الرّجل الذي وجد الحقيقة.
● ليونيد أندرييف.
● ترجمة: إبراهيم قيس جركس.
● الدّار الليبراليّة، برلين.
● الطبعة الأولى، 2022