إهانة غير ضرورية

مراجعة رواية “إهانة غير ضرورية” للكاتب السعودي إياد عبد الرحمن

يُثير موضوع رواية “إهانة غير ضرورية” للكاتب السعودي “إياد عبد الرحمن” قضيّةٍ مثيرةٍ للقلق نشكر الله أن أراح المجتمع منها منذ أكثر من خمسين عاماً. وما جعلني حريصاً على قراءة الرواية أولاً والتفاعل مع أحداثها هو لقائي بآخر من نعتبرهم أبطال هذه الرواية قبل أن ينقضي عهدهم إلى الأبد؛ وهم الأغوات المخصيّين خدّام الحرمين.

استناداً إلى جهالةٍ مستحكمة كان إخواننا المسلمون الأفارقة (من دول القرن الأفريقي غالباً) ينذرون بعضاً أو واحداً من أبنائهم لخدمة الحرم المكي أو الحرم النبوي الشريف. وإمعاناً في تسخيرهم للخدمة المقدسة كانوا يخصونهم أو يجبّونهم بالكليّة ( الإخصاء: قطع الخصيتين دون الذكر. والجبّ: قطع العضو والخصيتين معاً) ويرسلونهم برّاً وبحراً لتتلقّفهم هناك أيدي الأغوات الكبار الذين سبقوهم في هذه المهمّة حيث يمرّسونهم على خدمة حجّاج الحرمين وزوّارهم ضمن تنظيمٍ تراتبيٍّ محكم.

كان من الحظّ الأغبر للطفل “آدم” أن تعاقبه أمّه بجبّه، لا نذراً ولاقُربةً إلى الله، على سوء اعتقادهم، بل انتقاماً من زوجها الذي تركها إلى أخرى؛ فجبّت الطفل وحملته على ظهرها في سلة خوصٍ ودمه يسيل على سيقانه من جرحٍ هائلٍ لم يندمل، حملته إلى الميناء واستودعته امرأةً غريبةٍ على سبيل الأمانة لتوصله إلى ميناء جدّة.

يترقّى “آدم” في التسلسل الهرمي للأغوات في خدمة الحرم، ويتعرّض خلال ذلك إلى مذلةٍ مجحفة وتحرّشاتٍ تريد أن تستولي على ما تبقى من براءة طفولته، ويلتقي هناك شيوخاً وأغواتٍ كثر. وتنشأ بينه وبين أحد الشيوخ صداقةً متينة ويعلم أنّ هذا الشيخ متزوجٌ رغم أنّه مخصيّ، وسبب زواجه هو أن تقوم هذه الدادا بخدمته ورعاية شؤون بيته!!! ويُشاع أنّ هذه الزوجة أنجبت ولداً من زوجها الآغا المخصي دون تفسيرٍ واضح؛ فتثور ثائرة مجتمع الأغوات وتهرب المرأة بابنها، وهنا ينحرف الكاتب بغرض عمله الأساس لتصير أحداث الرواية رحلة بحثٍ عن الأم وطفلها.

يُعلمنا الكاتب لاحقاً بأنّ هذا الآغا غير مخصيّ وأنّه توأمٌ لآغا آخر مخصيٍّ نذرتهما أمّهما لخدمة الحرم فأخصت أحدهما وتركت الآخر يعيش حياته كسائر الرجال متنكّراً بهيئة آغا، وهنا (في منتصف الرواية تقريباً) ينحرف الكاتب عن الغرض الأول لعمله الروائي ويغيّر في أحداث القصة ليتراجع مستواها، فلم نرَ حرص الكاتب على إبراز الألم النفسي والجسماني الذي يعتري الأغوات، ولم يسلّط الضوء على حياتهم العامة في الحرم، أوالخاصة في حرم بيوتهم.

لم يُشر الكاتب (على خلاف عنوان الرواية) إلى الإهانة التي يتعرّض لها الأطفال مسلوبي الذكورة، ولم يُشر، إلا إشاراتٍ خجولة في بدايات الرواية، إلى الألم النفسي والجسماني الذي ينهمل على المجبوبين والخصيان، ربما لأنّهم سُلبوا ذكوريّتهم في الطفولة قبل البلوغ فلا يغشاهم ذاك الألم النفسي الناجم عن حرمان الهوية الجنسانية لأنّهم لم يعرفوها أصلاً!.

أعجبني في الرواية وضوح بيئة العمل الأدبي، فقد قدّم “إياد عبد الرحمن” مدينة مكة تقديماً يجعلنا نؤكد على مقولة (أهل مكة أدرى بشعابها) وكذلك رحلة الأم بابنها قبيل الوصول إلى الميناء، أما على صعيد اللغة فكانت بسيطةً تلقائية لا تنطّع فيها ولا إبهار.

بالمجمل هي رواية جميلة في شطرها الأول على الأقل، ميزتها الأهم أبطالها الذين لم أجدهم في عملٍ أدبيّ ولا حتى توثيقيٍّ سابق رغم وجودهم في المجتمع السعودي وشهرتهم فيه.

• إهانة غير ضرورية
• إياد عبد الرحمن
• منشورات تكوين
• الطبعة الأولى- 2023