آنا كارنينا

مراجعة رواية (آنا كارنينا)  رائعة الأديب الروسي الكبير ليو تولستوي


عندما نتحدث عن خيانة الحب، يتبادر إلى الذهن صورة حلمٍ تمزقه الواقعية، وقلبٌ ينزف من جرحٍ لا يندمل. كيف يمكن لشخص يدّعي الحب أن يخون الثقة ويدمر العلاقة التي بنيت على أسس الصدق والإخلاص؟
كيف يمكن للشخص الذي يعبر عن مشاعره بكل صدق أن يقف أمام محبيه يوماً بقناع الكذب والخيانة؟

تترك الخيانة آثارها العميقة في أعماق القلب، تجعل الثقة تتهاوى والأمل يندثر. وجدانٌ مجروحٌ، وعواطف مخدوعة، وأحلام محطمة. وبعد جملة الأوجاع هذه؛ هل يمكن للشخص المَخون أن ينسى ألمه الناتج عن فقدان الثقة؟ وهل يمكن للشخص المخدوع أن يغفر وينسى؟

ثنائيّة الحب والخيانة محورٌ أساسٌ في رائعة ليو تولستوي “أنّا كارنينا”، يصوّره لنا بكونه صراع قديم يدور في أروقة القلوب، يعكس الجمال والقبح، الصدق والغدر. وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأزلي: هل يمكن للحب الحقيقي تجاوز اختبار الخيانة، أم أنها نهاية لكل شيء؟

تنطلق الرواية بتعرّض دولي لخيانة زوجها ستيفان مع معلمة الأولاد، فتنتظر قدوم أخت زوجها “أنا كارنينا” لعلها تجد منها القوة لتغفر وتتجاوز لزوجها هذه الزلّة ليس حباً بزوجها ستيفان فقط، وإنما صوناً لأسرةً كانت إلى عهدٍ قريبٍ متحابةٍ متماسكة، ولكن دون نسيان الدروس التي تعلمتها من تلك التجربة المؤلمة.

المخزي أنّه لم يكن لمجيء “آنّا كارنينا” فائدةً، لقد أدخلهم وجودها في حياتهم في صراعاتٍ ومشاكل جديدة، كانت هي ذاتها هاربةً من زوجٍ لاتحبه، ثم تلتقي مصادفةً بصديقٍ لزوجها يُدعى “فرونسكي” يُشعرها بالحب المحض في أعمق تجلياته، فتنهار دفاعاتها أمام لسانه الذرب وتصرفاته المحبة فتورّط معه في علاقةٍ محرّمة فتمنحه نفسها وقلبها وتحمل منه في أحشائها جنيناً..

يدرك زوجها أليكسي هذه الحقيقة ولايجد بدّاً من دعوة عشيق زوجته للنزال على عادة الروس في ذلك القرن، ولكن لايحصل النزال، ويجد أنه من الأجدى له ولسمعته أن يبتعد عن زوجته الخائنة..

نجد في علاقة “آنا” بالضابط فرونسكي صدقاً وتفانياً، ولكنّ لكونها علاقة بُنيت أصلاً على الخيانة فإنّ هذا ما عكّر صفوَ هذا الحب العميق. الصراع الداخلي بين الحبّ والخيانة يجعلنا نتساءل عن حقيقة الحب الحقيقي وإلى أي مدى يمكن أن يضحّي الإنسان في سبيله. وهل ينبغي على الإنسان أن يستجيب لعقله أم يُصغي لصوت قلبه!! إنّ تجربة “آنا كارينينا” تعكس لنا الجوانب المعقدة والمتضاربة للعواطف الإنسانية، وتضعنا أمام طبيعة الحب الصادق والحب المنافق في حياتنا اليومية.

في الرواية الضخمة قصص حب متعددة، منها علاقة “آنا كارنينا” بالشاب ليفين وذلك قبل علاقتها بفرونسكي، ثم علاقة ليفين هذا بالشابة كيتي شديدة اللطف والتي تحلم بحياةٍ هادئة مع شابٍ يحبها بصدق، وهي بطباعها على النقيض من قريبتها “آنا كارنينا” التي تبحث عن الحب العاصف، هذا الحب الذي لم تجده عند زوجها أليكسي بارد الطباع، خامل العواطف والذي يفصله عنها ثلاثون عاماً، والذي لايهجس إلا بالسلطة والحظوة والمال.

نعم، لقد كانت “أنا كارنينا” خائنة، ولايشفع لها أنّها كانت تتمنى لو تُعاقب على هذه الخيانة، لقد انتظرت من زوجها أن يضربها، أن يقتلها، أن يدمّر حياتها، أن يفعل شيئاً يُريحها به من تأنيب الضمير، لكنّ حبّه لها مع برودته المتأصّلة وشفقته عليها عندما أصيبت بحمّى النفاس جعلته يغفر لها ويقبلها من جديدٍ في بيته، وهو الشيء الذي زاد من كراهيتها له وحقدها عليه وعلى نفسها!!.

في الجزء الأول من الرواية يحكي لنا (ليو تولستوي) قصةً عابرةً، إذ أنّ “أنا كارنينا” وعند وصولها محطة القطار رفقة زوجها تشهد على حالة انتحار، إذ يرمي رجلٌ نفسه تحت عجلات القطار لتزهق روحه.. وهنا تسأل “آنا” نفسها وهي في رعب الموقف، كيف يمكن لشخصٍ ما أن ييأس من حياته لدرجة أن يصير الموت أمامه مستساغاً طيباً مقابل الحياة العكرة. ثم تمضي أحداث الرواية ويُنسى هذا الموقف برمّته، ليعاود لنا في فصول الرواية الأخيرة، وبه يربط الرواي العبقري منتهى الرواية بمطلعها.

لقد تعبت “آنا كارنينا” من نفسها ومن كثرة محبيها الذين تجد في كلّ واحدٍ منهم ما يسُدّ ثغرةً في قلبها الذي يتّسع للجميع، لقد تعبت من ضياعها وتردّدها حتى قطعت الرجاء من كل ممّن حولها، واسودّت روحها لكثرة ما تقلّبت في دهاليز الخيانة. فآنئذٍ لم تجد بدّاً من أن تضع حدّاً لحياتها، فرمت نفسها تحت عجلات القطار في المحطة ذاتها والمكان ذاته الذي رمى فيه ذلك اليأسان نفسه ليقدم بذلك الكاتب لقارئه جواباً مفحماً لكل الأسئلة الآنفة التي طرحتها “أنا كارنينا” عندما انتحر ذلك الرجل في مستهلّ الرواية.

لقد فهمتُ من الرواية أنّ الحب الحقيقي هو تلك القوة الساحرة التي تجعل القلوب تنبض بشغف، والأرواح تتواصل بدفء، والأفئدة تتوق للانصهار مع الآخر. إنه الشعور العميق الذي يملأ كل شبرٍ من وجودنا بالسعادة والرضا، ويمحو كل الحواجز بين النفوس المتحابة. الحب الحقيقي يعني التضحية بلا تردد، والتفاني بلا حدود، والتواصل بلا حواجز. إنه تلاحم الأرواح وتناغم الأذواق، وجمع القلوب في وحدتها الحقيقية والمطلقة في عالمٍ مليءٍ بالقسوة والجفاء.

نعم، قد تكون هذه أصولٌ تفرضها بديهيات الحياة، ولكن عندما يُحاكي كاتبٌ محترف هذه الأفكار في قالب روائي، فإنه يصير إلى فنٍّ يستحق الاحترام والتقدير، حيث تتجسد العواطف وتنعكس القيم الإنسانية بكلّ تألقها.

• آنّا كارنينا
• ليو تولستوي
• منشورات وزارة الثقافة السورية، 1984
• ترجمة: صيّاح الجهيّم
• 3 أجزاء، 1428 صفحة