وحي

مراجعة رواية “وحي” للروائي “حبيب عبد الرب سروري”

(غسان) كاتبٌ يأتيه وحيٌ من نوعٍ آخر، هو وحيٌ أرضي يضيء في ذاكرته البعيدة مواقفَ وأحداثًا تعيده إلى أيام طفولته، والتي تشكَّلت فيها شخصيته الحرة التي لا ترضى بالأسطوري والموروث، وفي جزيرة (غالاباغوس) يستنطق الكاتب هناك الحجرَ عن تاريخ الأرض وزمان سكانها و يتلقَّى إجابات من عِلم داروين مرةً، ومن مراسلات وحي عن طريق (الإيميل)، فما هي هذه الإجابات ومن يختبئ وراء هذا الوحي الغامض؟

يقدّم الروائي اليمني (حبيب عبد الربّ سروري) ضمن إطارٍ فلسفيٍ تحليلي روايته الجديدة (وحي) كواحدةٍ من مشروعٍ تنويريٍّ أطلقه الكاتب عام (1998) مع روايته الأولى الصادرة بالفرنسيّة (الملكة المغدورة).

تحكي رواية (وحي) قصّة الكاتب الشهير (غسّان) اليمني المقيم في المغترب والذي يأتيه (إيميل) من شخصيّة غامضة تسمي نفسها (وحي) حيث يقوم متن الرواية على المراسلات المستمرة بين الطرفين وتدهشنا (وحي) كيف تجعل الكاتب ينساق وراء أسئلتها وغموضها لتنتقل بالقارئ على جسورٍ من الحوار المتين نحو ماضي الكاتب في اليمن وحوادث (جامع العيدروس) حيث يصدمه هناك منذ الطفولة مواقف التلاعب بعقول البشر من المؤمنين المستسلمين كليّاً لكلمة الشيخ ورأيه وفكره.


حادثة (جامع العيدروس) تنقل القارئ أيضاً إلى حيّز التفكير الواعي بين التديّن والإلحاد ودور (الوحي) في المتلقي ثمّ علاقة الأرض بالسماء ودور المجدّدين والمُصلحين في إنتاج وعيٍ عربيٍ جديد فيما لو تعارض الوحي والعلم.

يسافر بطل الرواية بصحبة زوجته (شهد) إلى جزيرة (غالاباغوس) حيث أقام (داروين) سنيناً أمضاها في البحث والتقصّي وخرج إلى العالم بكتابه الشهير (أصل الأنواع) والذي وضع فيه نظريته حول النشوء والإرتقاء؛ وهنا يلمّح الكاتب بطريقةٍ غير مباشرة إلى تفسيرٍ موازٍ لكلمة (وحي) وذلك باعتبار (داروين) نبيٌّ من نوعٍ آخر طالما أنّه قدّم نظريةً حول نشوء الأنواع تماماً كما يقدّم الانبياء نظرياتهم حول بدء الخلق من خلال (الوحي السماوي).

يعرض الكاتب أفكاره بطريقةٍ تنأى عن الوعظيّة وبدون إدانةٍ أو تجريح بل يقابل الأسئلة بالإجابات ويترك للقارئ الحكم والتحليل المُقنع، فهو خطابٌ تنويريٌ ينحاز إلى العلم على طريقة الغرب دون أن يحارب الدّين فالعلم عند الكاتب: “يسعى إلى إلغاء كلّ مايحدّ أفق الإنسان ليضعه في حضن الصيرورة وإمكانات الترقّي”.كما يركّز الكاتب في روايته (وحي) على دور اليمن تاريخيّاً وجغرافيّاً وتحولاته من كونه (اليمن السعيد) ليبكي حاضره الذي يكاد يخرجه من خريطة العالم.

اقتباس: ️”عالمٌ سال بين أصابع الجغرافيا والتاريخ وضاع إلى الأبد، تعيده هذه الغريبة العجيبة إليّ وهي تسأل عن تداعيات يوم جامع العيدروس، وما حدث في منظّمةٍ قاعديّة لم تعد موجودة، في زمنٍ تهاوى مهزوماً في يمنٍ تحوّل إلى مقبرةٍ جماعيّة. يحتضر ويوشك على الإمحاء من الكرة الأرضيّة”.

ولايبتعد الكاتب في روايته عن (الرياضيات التطبيقيّة) التي درسها ويدرّسها في حياته العمليّة، وهنا نكتشف انحيازه المطلق للعلم ولمستقبل التكنولوجيا وتأثيرها الجوهري في حياة البشر.

اقتباس: ️”لا يشك أحدٌ أنّه في حدود 2050 سيندمج الكومبيوتر والإنسان في كائنٍ جديد، “هومو زيوس، الإنسان الإله” وستكون الجسور العضوية المباشرة التي تربط الإنسان بالكومبيوتر بلا عد، جسور تربط ذكريات الدماغ ومعارفه ببرمجيات الكومبيوتر مباشرةً ذهاب وإياب بينهما في الإتجاهين دون توقّف، بإمكانك حينئذٍ أن تنزّل كتاباً من الكومبيوتر إلى دماغك مباشرةً دون الحاجة لقراءته، وبإمكانك أن تمحو ذكريات لاتروق لك من دماغك مباشرةً بوضعها في سلة مهملات الكومبيوتر المرتبط بدماغك”

إذاً يطرح الكاتب في روايته أسئلة ملحّة حول العلم والدين والتاريخ، والوطن والغربة، وسقوط المُسلّمات عند جيلٍ لم يعد يرى في الماضي ضرورةً بقدر ما يسعى لبناء حاضره في غُربةٍ كادت تكون مُعادلاً للوطن.

حبيب عبد الربّ السروري كاتبٌ يمني ولد في عدن (1956)، تتلمذ على يد والده وأخذ منه العلم الشرعي وقرأ بين يديه كتب التصوّف والتفسير، ثم انتقل لإكمال دراسته الجامعيّة في فرنسا حيث تخصّص في علوم الكومبيوتر، ويشرف حالياً على قيادة الأبحاث والفرق العلميّة والعديد من أطروحات الدكتوراه في علوم الكومبيوتر والرياضيّات التطبيقيّة.

  • وحي
  • حبيب سروري
  • دار الساقي