وبعد

مراجعة راوية “وبعد” للروائي الفرنسي “غيوم ميسو”

في مسيرة حياة هذا الروائي الشاب ما يدعو للعجب، فهو لم يدرس شيئاً، وقد حاولتُ مراراً أن أعثرَ على معلومةٍ تُفيد حول شهاداته ودراسته بلا طائل، كل ما يُقال أنه عمل بائعاً للآيس كريم ومن ربحه البسيط كان يعيش عيشة الكفاف ويزهد في صنوفِ الأطعمة ليوفّر بعض المال ويشتري كتباً يقرؤها وكراريساً يكتبُ فيها أفكاره وخواطره، هكذا حتى نشر روايته الأولى (…وبعد) والتي أنا بصدد الحديث عنها، هذه الرواية التي وضعته في منجنيق الحظ ورمت به إلى أعلى مراتب الأدب، وصارت رواياته حديثَ النّاس وغرامهم وكلّ دور النّشر تسعى لكسب ودّه وأقصى حلمها أن يقدّم لهم مسودةً لعملٍ جديدٍ ينشرونه له لما يعرفونه من إقبال النّاس على أدبه وأعماله، وقد درّت عليه الكتابةُ ثروةً عظيمة وصار المال يسعى بين يديه كالنهر الجارف فأعجبهُ هذا الحال فترك الآيسكريم وتفرّغ للكتابة وصار ينشرُ كلّ عامٍ روايةً وذلك ابتداءً من عام 2004 ، حتى صار في رصيده خمس عشرة رواية والكثير من الشهادات الفخرية والأوسمة والنطاقات والنياشين.


وقد اخترتُ باكورة أعماله وقرأتها وأنا لا أتمنى أن تنتهي لكمال حكايتها واتقان نسجها، وقد سجّلت حولها السطور الآتية:

تحكي الرواية قصة ناثان الولد الطيب الفقير الذي يعيش مع أمه الخادمة والتي يعاملها أصحابُ القصر معاملةً سيئة ويتهمونها بالسّرقة وقلة الأمانة، يتعلّق الولد بإبنة صاحب القصر ومع الأيام يتزوّجها وينجبُ منها ولدين، ولخطأ منه غيرَ مقصودٍ يموت ابنه الصغير فيورث في قلب الوالدين جرحاً لا يندمل، وعلى إثرها تتركه زوجته متهمةً إياه بانعدام المسؤولية والواجب، تنهار حياة ناثان المسكين ويصبح هاجس الموت يلاحقه كيفما اتجه حتى يأتيه شخص اسمه غودريش فيقلب حياته ويعيدُ له توازنه ويضعه على جادة الصواب. فهل يستطيع ناثان إدراك ما فاته واصلاح الماضي والرجوع إلى حياة الإستقرار؟ هذا ما تكشفه فصول الرواية ضمن أحداثٍ متلاحقة خالية من الشخصيات الثانوية المملّة وبلغةٍ مشوقة تخلو من الحشو وفضول الكلام.

الموت هو المحور العام الذي تدورُ حوله الرواية وتتفرّع عن هذه القضية العشرات من التساؤلات الملحّة والخوض في المعاني الفلسفيّة والإنسانيّة للفناء والبقاء.

من إحدى القواعد الهامة التي تجعلني أصنّف روايةً ما أنها جميلةٌ هي قلّة الصُدَف التي فيها، بمعنى أنّه كلما اعتمد الروائي على الصدفة في تفسير بعض الأحداث أو اختراع خلاصٍ لعقدتها كلما كان كاتباً ضعيفاً وعمله الروائي لا وزن له، غيّوم ميسّو هذا لم يعتمد أبداً على الصدفة، بل على العكس كل المصادفات التي حصلت في عقدة الرواية برّرها بشكلٍ منطقي يحترمه العقل والذوق لدرجة أنّنا لا يجوز لنا أن نعتبرها مصادفةً بل هي جزءٌ من حدثٍ مقصودٍ يُراد حصوله، وهذا ما يرفع الرواية برأيي إلى مصاف الروايات العظام في تاريخ الأدب الحديث.

صدرت الرواية عن المركز الثقافي العربي / المغرب في 382 صفحة من القطع المتوسّط، واعتبرها روايةً متفرّدة وأدعو كل أصدقائي القرّاء إذا ما دخلوا مكتبةً ألّا يغادروها قبل أن تكونَ هذه الرواية على رأس مشترياتهم.

  • وبعد
  • غيو ميسو
  • المركز الثقافي العربي