هيرمان هسّه، سيرة مصوّرة

مراجعة كتاب “هيرمان هسّه، سيرة مصوّرة” للكاتب “فولكر ميتشلز”

تُغني الصورة عن فضول الكلام، والصورة وماوراءها وماتخفيه وتحويه وتكشفه فبألف كلمةٍ ومقال. وكنز الصّور الذي وقع بين يدي الباحث فولكر ميتشلز ونشره في كتابه (هيرمان هسّه، سيرة مصوّرة) يثبت هذه المقولة، أقلها بالنسبة لمحبي هذا الكاتب السويسري الذي أبدع رواياتٍ مثل: دميان، سدهارتا، ذئب البراري.. وغيرها؛ جعلت جمهور محبيه يزداد باضطرادٍ واضحٍ رغم مرور أكثر من ستين عامٍ على وفاته.

نقرأ في بداية الكتاب سيرةً موجزة عن حياة الكاتب، ويبدو أن الكاتب (هيرمان هسّه) كتبها بنفسه. حكى في هذه السيرة المقتضبة عن بداياته، وكيف كان يصنع بهجته الخاصة بكتابة الشعر، وعلاقته بأسرته ومدينته الأولى وعن التصدّعات النفسية التي تركت الحرب آثارها في نفسه وكيف أنّه تخلى عن (العدل والعقل والمعنى) في الحياة وفي العالم. ثمّ كيف تجاوز ذلك كلّه وأتمّت حياته مسارها، ثمّ وثّق حياته في السجن وعلاقاته مع المشاهير من معاصريه.

أولى صور سيرة الكاتب المصوّرة تبدأ مع مدينة (كالف/الغابة السوداء) مسقط رأس الكاتب وصوراً كثيرة له رفقة أمّه، وصوراً لجدّه لأبيه الطبيب الشهير، وجدّه لأمه وهو اللغوي المحنّك “هيرمن جوندرت” صاحب دار كالف للنشر التي استلم إدارتها المبشّر يوهانس هسّه (والد هيرمان) ميراثاً من حميه.

نلاحظ في السيرة المصوّرة تركيزاً على الأماكن التي عاش فيها الكاتب والمدارس التي قضى فيها سنوات دراسته الأولى بما في ذلك الدير البندكتي في ماولبرون الذي شكّل خلفية كثير من قصص هيرمن هسّه.

ثمّ تتنوّع الصور ونشاهد أغلفة كتبه الأولى وصورة “راينر ماريا ريلكه” وهو الوحيد الذي قرّظ (ساعة بعد منتصف الليل) في حين سطّح النقاد والأدباء والناشرون الآخرون أعمال “هسّه” الأدبية في بداياته واعتبروها هزيلة الغنى على الصعيد الروحي.

تكشف لنا أكثر من مئتي صورة كثيراً من حياة الكاتب، فمثلاً لاحظتُ علاقته الوثيقة بأولاده اذ لم تخلُ صورةٌ من وجود أحد أبنائه إلى جانبه ابتداءً من الطفولة إلى الكهولة، ولايبدو أنه عاش وحيداً البتة كما آلت مصائر العشرات من الأدباء والمفكرين الذين يصلون إلى خريف أعمارهم فيؤثرون الوحدة ويعتزلون الناس مستغرقين بالفكر والتأمّل. أو يزهد الأبناء العققة بآبائهم فيقضوا أيامهم الأخيرة في عزلةٍ جبراً لا اختياراً، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُعد.

كما نلاحظ حبّ الكاتب للطبيعة واهتمامه بالحقل وأعمال البستنة رغم كبر سنّه، وحرصه على التواجد الدائم في الأماكن الرحبة الفسيحة، وقد لمّح الكاتب غير مرة أنّه يستلهم مؤلفاته من صفاء الروح الذي تقدّمه له الطبيعة البكر والجو الطلق الرحيب.

إنّ العمل الأدبي يعيش طويلاً ويمدّ عمر كاتبه حتى يتجاوز الأزمنة والأعمار ويجعل مؤلفه بطلاً واسع الإنتماء إذ تتنافس الدول على اعتباره أحد أبناءها، كسويسرا وألمانيا اللتان تقدّمان الكاتب على أنّه حامل جنسيتها -رغم حسم الجدل على أنّه مواطنٌ سويسري- والواقع أنّ السيرة المصوّرة تُستخدم أحياناً كإثباتٍ على إدّعاء دولةٍ ضد دولة، ودليلٍ على قوّة حجّتها فيما لو وصلت الأمور بينهم إلى أروقة المحاكم؛ إذن فالصورة ليست ذكرى فحسب بل هي وثيقة تقدّم معلوماتٍ صادقة عن: حياةٍ، وقضيةٍ، وموقف.

صدر الكتاب عن دار فواصل للنشر والتوزيع، ويقع في 240 صفحة من القطع المتوسط، وهو موسوعة تقرّب القارئ من كاتبه المفضّل من خلال التعرّف على حياته الخاصة ومراحل إنجاز أعماله الأدبية والإرهاصات التي سبقتها، وهو الشيء الذي باتت تقدّمه لنا وسائل الاتصال الاجتماعي التي تتيح لنا التواصل اليومي مع الكتّاب والمفكرين عبر حساباتهم الشخصية، ورؤية صورهم وشيئاً من تفاصيل حياتهم اليومية.

  • هيرمان هسه، سيرة مصورة
  • فولكر ميتشلز
  • دار فواصل