نساء الخيال

 مراجعة رواية نساء الخيال للروائي السوري ممدوح عزّام

من يُصغي إلى صوت “ممدوح عزام” الروائي يسمع صوت الناس ويتناول أوجاعهم وهمومهم الصغيرة قبل الكبيرة، ومن يقرأ رواياته يستقبل شيئاً كثيراً من أحوال هذا الوجود ومتغيّراته.
يضع الكاتب بين أيدينا -كعادته- غايات أناسٍ بسطاء، عفويين، محمولين على محض الخير، لكنّ حياتهم البسيطة محتومةٌ بالقدر الذي أوقعهم تحت نيرِ باطلٍ فاسدٍ يسود ويغلب.

في الرواية: يحرص المدرّس زيدون على أن لا ينتسب إلى أي حزبٍ سياسي (بما في ذلك حزب البعث)، هو لايملك فكراً مُعارضاً لفكر الحزب (ومن يجرؤ!)، لكنّه يرى في كونه “لا بعثي” حريةً تليق بإنسانيّته.
ولأجل قراره بعدم الانخراط في مسلك الحزب عُوقب الرجل بالنقل إلى أرشيف مديرية التربية في السويداء، وأوكلوا إليه هناك مهمةً مملةً تهدف ليتلاشى هذا الرجل روحاً ونفساً وعقلاً، وهي فحص الأرشيف الضخم القابع في المستودع، والتخلص من الملفات غير اللازمة.

خلال نبشه ملفات هذا الأرشيف تبرز له قضية “عصابة الكف الأسود” وهي العصابة التي أسسها هو وأصحابه: وضاح وقيس وجميل. كان هدف الأصحاب من هذه العصابة كتابة الغزليات المستقاة من التراث العربي وإرسالها على شكل قصاصاتٍ إلى الفتيات الحسان اللواتي أطلقوا عليهنّ لقب “نساء الخيال”. واستثنوا منهنّ بديعة الجمال “ليلى” التي أحبها كل أفراد العصابة؛ هذا الإستثناء أضرّ بها نفسياً وجسدياً، لأنّ الدولة التي نظرت إلى هذه الرسائل نظرة المنشورات الملغوزة التي تستحضر ثورةً ما، رأت في استثناء “ليلى” من هذه الرسائل تهمةً لها تستوجب التحقيق. مع الأخذ في الحسبان أن بعض الأنظمة ترى أنّ ما يستوجب التحقيق يستوجب العقوبة والقصاص وإن لم يُسفر هذا التحقيق عن جناية.

رغم أن السارد هو الشخصية الرئيسة في الرواية لكننا لا نجد اهتماماً واضحاً بين الأنا والآخر بقدر ما هو اهتمامٌ بين الآخر والآخر، لقد تحرّر زيدون من “الأنا” خاصّته، وصار جلّ همّه تحليل النصوص التي بين يديه وربطها بومضاتٍ تُسعفه بها الذاكرة حول علاقته بأصدقائه أفراد العصابة وعلاقتهم ببعضهم مرةً وبنساء الخيال مرّاتٍ أُخر.

لقد وجد زيدون في هذه النصوص عالماً مفككاً ومبعثراً، وعند النظر إليه بعد سنواتٍ وما آلت إليه أحوال أفراد العصابة، صار يمكنه عدّ هذا الماضي قابلاً للمكاشفات الجارحة وقابلاً للحذف والتغيير.. لا أقول تغيير الماضي، بل تغيير نظرتنا إليه.

يهيمن الزمن في الرواية على كل شيء ويتكفّل بتغيير الحالات العاطفية للشخصيات كلها وتوجهاتهم وانتماءاتهم الفكرية، نلحظ هذا بالمقارنة بين ماضي الشخصيات وحاضرهم.

رغم صوتهما الخافت في الرواية أرى أنّ ليلى وطعمة الله شمس الدين المكتبجي من أبطال النص المتفرّدين، وهما لايقلان أهميةً عن أفراد العصابة، لأنهما يُولّدان المفارقة، وينعكس عليهم الزمن والأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالإزدواجيّة والتناقض.

على عادة الكاتب ممدوح عزام في مجمل أعماله، تجري أغلب الأحداث في السويداء والقرى المنتشرة في أريافها ونرى هذه المرة حضوراً لمنطقة البادية والخابور، ويضع الكاتب قارئه في جوٍّ حقيقيٍّ لفكر المنطقة وأدبها وخلفيتها الثقافية، وتحديداً في زمن ستينيات القرن الماضي، زمن أحداث الرواية.

صدرت الرواية عن دار أطلس، وتقع في 383 صفحة من القطع المتوسط، وهي رواية رائعة كسائر أعمال الكاتب ممدوح عزام لكنني سأبقى منحازاً لروايته الأثيرة عندي “لاتخبر الحصان” التي كنت أعدّها -ولازلت- إحدى روائع الأدب العربي الحديث

  • نساء الخيال
  • ممدوح عزام
  • دار أطلس