مي، ليالي إيزيس كوبيا

مراجعة رواية “مي، ليالي إيزيس كوبيا” للروائي واسيني الأعرج

في 17 أكتوبر 1941، وتحديداً في الساعة العاشرة وخمس دقائق صباحاً لفظت الكاتبة العبقرية مي زيادة أنفاسها في مشفى المعادي في القاهرة بعد معاناةٍ مع المرض وظلمٍ مُجحفٍ من الأهل والأصدقاء، حيث قضت شهور عمرها الأخيرة مرميّةً في مصحٍّ للأمراض العقلية بعدما نُسِبَ إليها العُتهُ والجنون زوراً وبهتاناً وطمعاً من أقرب أقربائها بثروتها الطائلة وميراثها العريض.

يقول مدوّنو التاريخ أن لمي زيادة (والتي سبق لها أن وقّعت كتبها بإسم إيزيس كوبيا) كتاباً مليئاً بالخواطر واليوميّات والرسائل كتبته خلال إقامتها الجبريّة في المصح، ولايدري المقرّبون منها والأبعدون أين هي هذه المخطوطة بعدما تناولتها أيدٍ كثيرة وطالها جشعُ تجّار التّحف والمقتنيات النّادرة.

كرّس الكاتب الكبير واسيني الأعرج سنواتٍ من عمره ينشد ضالّته بين باريس ومصر وبلاد الشام يقتفي أثر الكاتبة، وباحثاً عن مخطوطها النادر، باذلاً جهداً كبيراً ومالاً واسعاً في سبيل الحصول عليه، وقد كان له ذلك إذ وجدها أخيراً عند عائلةٍ مصريّة طيّبة لم تكن تُدرك حجم الكنز الذي وقع عليه الرجل وقدّمه على طبقٍ من فضّة للأدب العربي عامةً ولمحبي مي زيادة خصوصاً، وقد قرأت الكتاب ووقفتُ عند النقاط التالية:

_ كل من قرأ الكتاب تساءل: هل كان واسيني الأعرج يكتبُ تاريخاً أم عملاً روائيّاً !!

_رغم أنّ دار النّشر كانت واضحةً في تصنيف العمل على أنّه رواية إلا أنّ الكاتب قدّم معلوماتٍ تاريخيّةٍ دقيقة تدحض فكرة أنه عملٌ روائيٌّ متخيّلٌ، وفي الوقت نفسه سبق صدور الكتاب مؤتمراتٍ عدّة ونقاشاتٍ حثيثة حول المخطوط المعثور عليه والذي احتفلت لاكتشافه مراكزَ بحثيّة وجامعاتٍ عريقة.

أقرب الظنّ أنّ واسيني الأعرج كتب روايةً تاريخيةً بلغته وأدواته (ملحوظة: توصيف العمل على أنّه رواية تاريخية مجازي جدّاً، لأنّ للرواية التاريخية شروطاً لا تتوفر هنا) مُستعيناً بالمعلومات التي تحصّل عليها من مشواره البحثي الطويل متقفّياً أثر الزمن الأخير من حياة الكاتبة.

صدرت النسخة السورية من الرواية عن دار الحوار للنشر في 318 صفحة من القطع المتوسّط، وقد رُشّحت الرواية للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العالمية للرواية العربية 2019، وفي الحقيقة أن هذا الكتاب أنصف مي زيادة بعدما عانت جورَ مُجتمعٍ ذكوريٍّ لم تسعه السّاحة الأدبيّة أن تنافسهم على قمتها أنثى كانت أنقى الكثيرين منهم حكمةً، وأبلغهم كلمة.

  • مي، ليالي إيزيس كوبيا
  • واسيني الأعرج
  • دار الحوار للنشر