مذكرات قبو

مراجعة رواية مذكرات قبو للروائي العالمي فيدور ديستويفسكي


يرى بطل الرواية البائس المهزوم أنّ طبائع الأشياء في هذه الحياة تنحاز إلى الأوغاد لا إلى الأجواد ويتساءل وهو يفرك رأسه من الحيرة والدهشة؛ لماذا يسمح القدر للفقراء أمثاله أن يأتوا إلى هذه الدنيا الملعونة بألف لعنة؟

إذن؛ يصبّ بطل الرواية لعناته على حياته البئيسة، ويتعجّب بسخريةٍ كيف كان أساتذته يثنون على تفوّقه أيام المدرسة والتحصيل وكيف يتّفق هذا مع ما تبيحه الحياة للنذل من أن ينتصر بأيّة وسيلةٍ، ولا تأتي أيام الهناء للمعدمين أمثاله إلا على نُدرةٍ فقط!!

بطل الرواية رجلٌ مثقفٌ، يمتلك من العلم والمعرفة والتجربة الحياتية ما يسمح بمناداته بالحكيم، لكنّه يعيش في بيئةٍ تسترذل الأصاغر الفقراء مثله وكلّ ومن يُشاكله في الحقارة ودناءة الدرجة الإجتماعية. يعيش البطل في قبوٍ تستنكف الجرذان أن تستوطن فيه، حياةً تخلو من ومضة أمل أو أيّ عزاءٍ يمكن أن يستحثّه على الرغبة في البقاء!

في جزء الرواية الأول لايثبت للبطل أنّه مارس الحقد ممارسةً عملية، بل جاء النصّ نجوى ذاتية وحكايةً عن حاله ومآله. وأنّ في قلبه حنيناً عارماً لصنع البهجة والمسرّة ونشرها في مجتمعه الذي يحوطه. لكنّه في الجزء الثاني يثبت لنا مرارة العيش في هذا المجتمع والذي قابله البطل بالحقد الكامل الذي لاشفيع له.

تنتمي الرواية إلى ما يمكن اعتباره “الأدب النفسي”. لقد استطاع ديستويفسكي تقديم النقائض التي تسحق روح هذا البطل والذي يمكن لكل قارئ معرفة نهايته المحتومة طالما أنّ العنصر الأبرز والأرسخ في حياته هو الشعور بالفراغ واللاجدوى، وأنّ حياته بلا معنى وما يزيدها قتامةً ذلك القبو الأسخم المتعفّن الكريه.

يتوقّع القارئ أن تُحدث “ليزا” المُفارقة المنتظرة، أن تلوّن بمحبتها الصادقة الباهت من حياته، لكنّه -لمرضه النفسي المستحكم ربما- لايكفّ عن إهانتها وتقريعها، لقد لعن الرجل كلّ ما في هذه الدنيا حتى المرأة التي بادلها الحبّ بالحب، وهو نقيضٌ عجيبٌ قد نراه في بعض الناس الذين نقابلهم، يرغبون الشيء ويعيبونه، أو يرغمون أنفسهم على حرمانه كرهاً بالحياة وشعوراً باللاطائل من بُشرة خيرٍ أو تفاؤل.

لاغُروَ أن ديستويفسكي برع في تعرية طبيعة هذا البطل الذي تركه بلا اسمٍ، نكرةً كما هو في الحياة، استطاع توصيف التناقضات التي يعيشها والتي ترسّخت في طباعه، واستطاع أن يجعل القارئ يطّلع بعينٍ بصيرةٍ ما يحصل في قعر الكآبة السحيق.

صدرت الرواية عن عشرات دور النشر وفي أزمنةٍ مختلفة، وتُرجمت إلى أكثر من 170 لغة حول العالم. أمّا الإصدار الأول فكان عام 1864، أي في ذروة عطاء الكاتب الأدبي. أمّا نسختي التي بين يدي-وهي من أسوأ النُسخ- فقد صدرت عام 2014 عن المركز الثقافي العربي وتقع في 207 صفحات من القطع المتوسط وبترجمة غير محمودة من أحمد الويزي. وللرواية عناوين مختلفة منها: الرجل الصرصار، في قبوي، رسائل من أعماق الأرض، مذكرات من العالم السفلي.

وفحوى القول: إنّ هذه الرواية لاتصلح لضعاف النفوس، أولئك الذين ينخر البؤس حياتهم، ولاتصلح بحالٍ للإيجابيين السعداء لأنّ العذاب المحتوم سيهيمن على حياتهم السعيدة، أنصح بها فقط لمحبي ديستويفسكي الذين يدفعهم فضول القرّاء المغرمين لقراءة كلّ أعماله.

  • مذكرات قبو
  • فيدور ديستويفسكي
  • المركز الثقافي العربي