ما تخبئه لنا النجوم

مراجعة رواية وفيلم “ما تخبئه لنا النجوم” للروائي “جون غرين”

ما أعظم الإنسان وما أضعفه، وما أقواه إذا كتم ما في صدره من أوجاعٍ خشية أن يُشفق عليه أحد، أو يواري آلامه خلف ابتسامةٍ يخدع بها الناس بأوهام التعافي..في الرواية قصة مراهقين على هذه الشاكلة، يلتقيان في إحدى حلقات الدعم المخصّصة لمرضى السرطان، ومنذ الجلسة الأولى ومن خلال حوار العيون والنظرات والابتسامات التي تفتر عنها شفتي هازل وغاس نعرف أنّ كل واحدٍ منهما وقع في حبّ الآخر.

تعاني الصبيّة (هازل غريس) من سرطان الغدة الدرقية الذي تطوّر ليصل إلى رئتيها ما يجعلها تلتقط أنفاسها بصعوبةٍ إذا لم تستعن بأنبوب الأوكسجين المتصل بالعبوة التي ترافقها في كل مكان. والتي يتوجب تبديلها كل ست أو ثماني ساعات، وهذا بحدّ ذاته شقاءٌ آخر، إذ عليها مراقبة أنفاسها والناس -كل الناس- يتنفسون بتلقائيةٍ وبساطة.
أما الشاب (أغسطس واترز) والمكنّى ب (غاس) يعاني من الغرن العظمي وهو شكلٌ من أشكال سرطان العظام، وقد نال منه المرض فقُطعت إحدى قدميه وصار يمشي مستعيناً بواحدةٍ أخرى خشبية؛ فخسر بذلك متعة ممارسة كرة السلة، هوايته المفضّلة. وفي كلا الحالتين يوشك المرض أن يتغلغل في الجسدين اليافعين مدركين أنّ بينهما وبين الموت خطوة.

تحب هازل غريس رواية شهيرة هي (محنة عظيمة) لكاتب أمريكي/سويدي اسمه (بيتر فان هوتن)، وتراسله بصبرٍ عظيم رغم عدم ردّه على أيّ من رسائلها، ومحتوى رسائلها طلبٌ واحد هو أن يخبرها الكاتب ماذا حلّ بأبطال روايته، إذ تعتبر هازل -بحسّها الأدبي- أنّ نهاية الرواية سريعة ومفاجئة وعلى الكاتب ألا يظلم القرّاء بمثل هذه النهاية المفتوحة.

يردّ الكاتب -أخيراً- على البريد المرسل من (هازل غريس) ويعدها بأن يخبرها حدوتة الختام في حال زارته في مكان إقامته في استوكهولم، وبالفعل! وبعد صدٍّ وردٍّ طويل بينها وبين والديها وفريقها الطبي المشرف على حالتها يوافق الجميع على سفرها رفقة أمها وحبيبها المقرّب (غاس) إلى حيث تلتقي بكاتبها المفضّل وتتعرف على الخاتمة غير المكتوبة لروايتها المفضّلة.

يعشّش الحبّ أكثر فأكثر في القلبين الصغيرين، وتتوطّد بينهما علائق الغرام السعيد ويترافقان في نزهاتٍ وادعة في ربوع المدينة الهادئة. ليزورا في اليوم التالي بيت الكاتب (بيتر فان هوتن) وهما لملاقاته في حماسٍ وتشوّقٍ لا نظير له.

يُفاجَأ الشابان بشخصية الكاتب الحقيرة، إذ يكتشفان أنّه وصل في عهر الأخلاق إلى القاع، وأنّه ليس إلا سكّير مدمن فقد حسّه الأدبي والأخلاقي والذوقي مرّةً واحدة. وأنّ ظنونهما حول شخصية الأديب الأريب المثقف (الجنتل) ما هي إلا محض أوهام، وأنّه لشدّة وضاعته وكأنّه يحمل راية الخسّة بين النّاس.

يرجع مكسورا الخاطر إلى بلدهم إنديانا/أمريكا، وقد زادهم ذلك اللقاء التعيس ألماً واحتضاراً، وهنا يبدأ العدّ العكسي لحياة غاس بالإسراع ليلقى الشاب النبيل حتفه وسط أهله ومحبيه في فصلٍ تراجيديٍّ وبكائيّةٍ حزينة أضمن للقراء معها (وعلى الأخص الفتيات ذوات المشاعر الهشّة) دموعاً يسيرة الانهمار.

لاتنتهي الرواية عند هذا الحد، ففي جنازة أغسطس مفاجأة لم تكن متوقعة، وفي فصل الرواية الأخير مفاجأةً أخرى أيضاً ستُسعد القرّاء دون أن يكون ذلك شفاء (هازل غريس)، إذ تنتهي الرواية ومرضها يراودها، لا عن نفسها بل عن روحها. ولكن أترك اكتشاف تلك المفاجآت للقرّاء.

صدرت الرواية عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر / بيروت، وتقع في 335 صفحة من القطع المتوسط. وبالمجمل هي رواية جميلة، لكن سيصادف القارئ فيها نواحٌ كثير وحزنٌ مرير، وانتحابٌ لاينقطع ودمعٌ لايندفع، ومشاعرٌ مختلطة بين الفقد والفراق ووداع العشّاق، فكأنّ الرواية مرثيةٌ وحفل تأبينٍ كبير لمرضى السرطان الذين قضوا بسببه.

🌠 حول فيلم The fault in our stars المقتبس عن الرواية.

قدّم المخرج (جوش بون) في فيلمه نقلاً حرفيّاً دقيقاً للرواية، فلم يجتهد في نقل الصورة التي تخيّلها القارئ أصلاً ولم يستخدم تقنياتٍ إخراجية جديدة كانت في العقد الأول من هذا القرن في ذروة نشاطها (أُنتِجَ الفيلم عام 2014)، استخدم المخرج سياسة (نسخ/لصق) وتتبّع فصول الرواية فصلاً فصلاً لدرجة أن قارئ الرواية سيتوقع سيناريو وحوار المشاهد التالية دون تكلّف.

أداء الممثلين الشابين شايلين وودلي، وآنسل ويلغورت واقعي ومقنع جداً (تم ترشيح الممثل آنسل ويلغورت لجائزة الغولدن غلوب عن دوره في هذا الفيلم ولم يحصل عليها)، وفوجِئت بمشاركة الممثل المحنّك وليام دافو (مرشّح لأربع أوسكارات) بدور الكاتب بيتر فان هوتن وأبرع بتجسيد الدور بمهارة. مع لفت النظر أنّ الكاتب بيتر فان هوتن كان وبحسب الرواية أصلع بدين، وفي الفيلم كان نحيف وبشعرٍ طويل!

يُشكر الكاتب على غض النظر عن إضافةٍ مملة وردت في الرواية وهي زيارة أختي غاس مع أزواجهن وأولادهن بيت العائلة في الفترة التي كان فيها غاس مُشرفاً على الموت، هذه الفقرة لم تخدم الرواية وحذفها من مشاهد الفيلم إجراءٌ ناجح.

الفيلم طويل نسبياً (ساعتين وربع)، وموسيقاه التصويرية الهادئة تتناغم وأحداث الفيلم وطبيعته الباردة، وقد حصد الفيلم أربع عشرة جائزة كلها لاتحمل أي قيمة سينمائية معتبرة. شخصياً أصنّفه كفيلم أكثر من جيد، وهو من الحالات النادرة التي أعتبر الفيلم فيها منافساً للرواية من حيث المتعة.

  • ما تخبئه لنا النجوم
  • جون غرين
  • شركة المطبوعات للتوزيع والنشر