مراجعة كتاب “مائة أوائل” للباحث “سهيل زكار”
فُطِرَ الإنسان على الرغبة في معرفة أوائل الأشياء وعظيم الانجازات وأصحابها، ولا تجد فهيماً إلا ويسأل: من أول من فعل، وأول من اخترع، وأول من سبق، وأول من نجح، وثاني من فلح؟ … إلخ
وأغلب الظنّ أنّ المؤرخ (بلوطرخوس) المولود في منتصف القرن الأول للميلاد هو أوّل من صنّف كتاباً في هذا الفنّ أسماه (العظماء)، تحدّث فيه عن عظماء اليونان والإغريق وفاضل بينهم (نقله للعربية ميخائيل داوود عام 1928).
واهتمّ العرب بتصنيف الأوائل، كما فعل بن أبي معشر في كتابه (الأوائل)، وأبو هلال العسكري في كتابٍ يحمل ذات الاسم، والمدائني والطبراني، والأصفهاني في كتابه (الأغاني) الذي عالج قيه قضيّة مئة صوتٍ طلب الخليفة العباسي هارون الرشيد اختيارها، ثمّ مايز بينها فاختار عشرة ثم ثلاثة فواحد.
إذن هذا فنٌ أصيلٌ في أدب التاريخ العربي، لكنّ الباحث (مايكل هارت) وبعد صدور كتابه الشهير (المئة الأوائل) حمل بعض المؤرخين العرب على تصنيف كتبٍ مماثلة كان أشهرها هذا الكتاب الذي أضعه بين أيديكم موضّحاً فيه النقاط الآتية:
الفرق بين هذا الكتاب وكتاب مايكل هارت أن الثاني اختار أكثر الشخصيات العالمية تأثيراً بالبشرية على الاطلاق، بغض النظر إن كان هذا التأثير إيجابياً أم سلبياً، ولهذا نجد اسم (هتلر) ضمن القائمة وغيره من القادة الدمويين، فالهدف هو حجم التأثير بالنّاس وليس خدمتهم وعلاج همومهم، بينما كتاب (مئة أوائل) للباحث (سهيل ذكار) يقدّم (بعد دراساتٍ مستفيضة) أكثر شخصياتٍ إسلاميةٍ أثّرت إيجاباً في نهوض الحضارة الإسلامية وفائدتها.
اتفق الرجلان رغم الاختلاف الشاسع بين خلفيتهما الثقافية والدينية على اعتبار الرسول المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم هو أكثر الشخصيات تأثيراً بالعالم منذ انطلاق البعثة المحمدية قبل أزيد من (1400) عام وحتى الآن، وهذا ما اصطلحت عليه كل الكتب الصادرة في هذا النوع من الدراسات.
لا أعتقد أن الباحث (سهيل ذكار) رغم إيغاله في تراجم الرجال والتاريخ أنّه كان موفّقاً في اختياراته، فمثلاً ألومه على وضع (قرمط)، و (حسن الصباح) في هذه القائمة، وفي المقابل لم يضع من الشعراء سوى (المتنبي)، ومعروفٌ دور شعراء العربية في حفظ اللغة وفنونها. كما أعجبُ من اغفال اسم (محمد الفاتح) المشهورُ دوره في نشر الاسلام بين الأمصار. لكنّ الباحث -ولاحقاق الحق- أكّد أن اسم الكتاب (مئة أوائل) وليس (المئة الأوائل) وهذا يعني أنّه لايمكن حصر (الأوائل) في مئةٍ واحدة.
لاحظت عدم حياد الكاتب في ترجمته لبعض الشخصيّات، ولا أعلم سبب ميله هذا رغم قناعتي الراسخة بأنّه باحثٌ أكاديمي، إذ لايمكن لمثل (سهيل ذكار) أن يسيء لسمعته بأن يغمز من قناة أحدٍ لاعتباراتٍ طائفية أو سياسية، ولكنه فعل!! وهذا يُلاحظ بشدّة عند ترجمته لحياة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. (وفي هذه النقطة تحديداً لن أدخل في أيّ نقاشٍ مع أحدٍ لم يقرأ الكتاب).
استعان الكاتب بأكثر من 370 مرجعاً عربيّاً، عدا المراجع الأجنبية، وذكر أنّه بدّل أكثر من 40% من أسماء القائمة، وقد غادر بعض مساعديه احتجاجاً على وضع بعض الأسماء في القائمة، وهذا كله يعني أنّ الكاتب عانى ضغوطاً شتى خلال عمله ولكنّه ثبت على رأيه إذ وجده الأصحّ والأصدق، وأنّه التزم الحياد العلمي جهد الطاقة على حدّ قوله.
صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عام 1983، عن دار حسّان / دمشق، ويقع في 568 صفحة من القطع الكبير، وهو كتاب غنيٌ بمعلوماته، ويشحذ فكر القارئ لمزيدٍ من الاطلاع والبحث في تاريخه وتراثه.
- مائة أوائل
- سهيل زكار
- دار حسّان