مراجعة رواية “ليست رصاصة طائشة تلك التي قتلت بيلا” للروائية “لينا هويان الحسن”
هامش قبل البدء: خلال سنوات الحرب الدائرة في سورية كنتُ أضطّرُ للسفر بين المدن السورية، وبحكم الحصار الشديد على مدينة حلب كنّا نُرغم على سلك طريقاً متهالكة، كانت تربط -قديماً- عاصمة الشمال السوري ببقية المدن.
تمر بنا هذه الطريق ببلدةٍ مهجورة اسمها “خناصر” ذات أغلبيةٍ شركسية، هجرها أهلها خلال الحرب حتى لم يعد فيها بيتٌ مأهول. كنّا نمرّ بها ونكابد مذاق الرماد وآثار الخراب والدمار. وفي كلّ مرّة كنت أتساءل كيف تقطعت السبل بهؤلاء الناس وتفرقوا في بقاع الأرض وتركوا بلدتهم الجميلة التي كانت مأنوسة بهم لتستحيل الآن أثراً بعد عين، وكأنّ أهلها لُعِنوا بالفراق والحرمان والشوق الدائم إلى الوطن. هذه الرواية تحتفي بخناصر وبفسيفساء الأعراق السورية.
تستثمر الروائية السورية “لينا هويان الحسن” معرفتها بمدينة حلب في بناء روايتها؛ فتسترجع طفولتها وماضيها في أحياء المدينة التي ولدت فيها، والبيت العتيق المكوّن من عدة غرف كبيرة كانت تقطنه هي وأهلها مع بضع عائلاتٍ تنتمي إلى دياناتٍ مختلفة. تقدم الكاتبة-إذن- تجربة روائية تراعي من خلالها تجارب سابقة عاشتها مع شخصيّاتٍ متماثلة/متناقضة يجمعها الفقر والغربة، ثمّ لاتلبث أن يتفاوت مستواها الثقافي والطبقي مع مرور الفجوات الزمنية التي تفصل المسافات السردية.
تحكي الرواية سيرة دخلاء هاجروا من ديارهم (أرمينيا، أذربيجان، البوسنة، القوقاز، ألبانيا.. وغيرها) فارّين من أتون الحرب التي تعتمل في بلادهم، ليعيشوا في حلب؛ الأرض المسالمة التي تتقبّل الآخر وترحّب به، ثم لايلبثوا أن يكونوا جزءاً من نسيج هذه المدينة ومُكونها.
نتعرّف في الرواية أولاً إلى الآذرية الطرشاء “بيلا بكتاش” التي تعمل في معهد الأيتام تحت إدارة الروسية “ماريا جريجوريفا” والتي تمنع “بيلا” من الخروج من الميتم لفرط حسنها وانهماك الشبان في تعقّب خطواتها مع كل ذهابٍ لها وإياب. ثم لاتلبث أن تزوّجها من “رفقي ميرزا” الذي أغدق على الميتم خيراً كثيراً على سبيل مهر الصبيّة، ثم أخذها إلى عزبته في “خناصر” في ريف حلب.
نتعرّف في بيت “الأجقباش” في قلب المدينة إلى باقي شخصيات الرواية مثل: الأرمنية “سيسي بابايان” ابنة المصوّر “كيفورك” وأمها الروسية “ناديا” التي لاتبتسم أبداً والتي قضت منتحرة؛ ما اضّطر “كيفورك” -ولأنّه كثير السفر- أن يجعل ابنته تقيم في دير اسمه “حَبَل بلا دنس” تديره “راهبات بلا دنس”!
شخصية “سيسي بابايان” مغمّسة بحبٍ لاهب مع تيمور ميرزا (ابن رفقي وبيلا بكتاش)، وهو يبادلها هذا الحب لكنه يتوارى خلف خجلٍ أو عزّة نفسٍ تمنعه من أن يجيبها “بنعم” على سؤالها المكرور له: “هل تحبني؟”. ولأنّ في الحياة ما يكدّر فقد زاحمتها على محبته فتاة تدعى “ايمييه” وسنجد أنهما تتناوشان معاً خلال الرواية للفت نظره والفوز بقرع ناقوس فؤاده الذي لم يتمرّن على الحب بعد.
يفصل جزأي الرواية فجوة زمنية تقع بين سفر الأصدقاء من حلب إلى بلاد الغربة، ثم اجتماعهم مجدّداً في دمشق، واستعادة ذكريات الطفولة وتجاذبات الماضي المتفاوتة بين الحب والصداقة من طرف، والدناءة وخسّة المعدن من طرفٍ آخر. وبشكلٍ عام فإنّ شخصيات الرواية مترعة بالنقاء، وما يظهر من سوء طويتها لايخرج عمّا تمنحه الطبيعة البشرية لأبنائها.
تدور أحداث الرواية في أواسط القرن الماضي وما قبله وهي فترة زمنية حافلة بالانقلابات والأحداث السياسية، لكنّ الحدث السياسي لايفرض نفسه على الرواية ولا يؤثر بمجراها، بل تجعله الكاتبة اضطراباً جانبيّاً لايخفى على النّاس كما لايؤثر بهم.
ويتّضح لنا أن بناء الشخصية وتطورها لم يرتكز على هذه التقلبات السياسية بقدر اعتماده على النضج الذي تمنحه الغربة والاستئناس بالناس ومعاشرتهم، وهذه نظرة واعية وأدعَى لاحترام رؤية الكاتبة ونظرتها إلى دروس الحياة.
يُلاحظ القارئ حضور شخصية الكاتبة إلى درجةٍ تقارب السيرة الذاتية وهذا ما يُصطلح على تسميته (الأنا الثانية للكاتب أو الكاتب الضمني)، وتفرد لأجل ذلك صفحات الرواية الأخيرة لتعرّفنا إلى ما يمكن تسميته (الشخصيات والأماكن الحقيقية للرواية) التي عاشت طفولتها بجيرتهم في حلب، وكذا الأماكن والبيوت والحواري التي شهدت منطلق طفولتها الأولى وتفتّح عينيها على التنوع العرقي والديني والثقافي في المدينة.
أرى أنّ الكاتبة ظلمت حلب في غير موضع: منها أنّ الكاتبة حشدت في الرواية شخصياتٍ كثيرة إلا أنّنا نفتقد الشخصية الحلبية ابنة المدينة إلا في شخصيتين انتهازيّتين، الأولى (إيمييه)، والمتبرّعة المحسنة التي تدفع صدقاتها لدار الأيتام بشرط أن يعمل الأيتام خدماً للمسلمين!!. وذكرت أنّ “شمسي ميرزا” وضع أبن أخيه “تيمور” بعد أن صار يتيماً في ديرٍ بعيد -رغم أنّه مسلم- ولكن ليحظى بتعليمٍ جيد!! مثل هذه التلميحة التي تنتقص التعليم بصفته “مسلماً” سنجدها واضحة ومكررة في الرواية. وذكرت أنّ المسلمين يكسرون القدح الذي يشرب منه يهودي أو نصراني!! (ص 84)، وهذا غريبٌ أيضاً إذ أنّني فتحت عينيّ في حلب ونحن نجالس اليهود ونؤاكلهم دون أن نخوض في أدياننا ومذاهبنا. وأنّ التآخي الإنساني هو المعيار الأوحد الذي يجمع (الحلبيين) على اختلاف أعراقهم ومشاربهم.
ثم ذكرت الكاتبة أن أهالي حلب أحرقوا بيوت اليهود بعد إعلان “بن غوريون” قيام ما يسمى دولة اسرائيل، شخصيّاً لم أقف على هذه الحادثة في تاريخ حلب الحديث، وقد يكون عند الكاتبة مرجعٌ موثوق؛ لكنّني أذكر أن بيوت يهود حلب كانت ولاتزال مصانة حتى الآن، ولايجرؤ أحد على مسّها بسوءٍ ليس خوفاً من قبضة الأمن؛ بل هو احترام الحلبي لحقوق غيره وملكياتهم. ولاتزال بيوت اليهود وكنسهم قائمة وتشهد بنفسها على هذه الحقيقة..
(دعكم من أننا كنا نغني لهم:
“خاخام بومة بومة… أبو لفة المبرومة..
عطيني شعرة من دقنك.. لأخيّط فيّا التاسومة”. [التاسومة: الحذاء]
فإنّنا كنا نداعبهم بهذه الأهزوجة، وهم يستملحونها منّا ويتقبلونها بصدرٍ رحيب.
رغم أنّ غلاف الرواية مشغولٌ في محترف “نجاح طاهر” لكنّه سيءٌ مقارنةً بباقي مخرجات المحترف، العنوان المائل، ومكانه فوق الصورة الموضوعة شاقولياً، وامتزاج ألوانه مع ألوان الخلفية كل ذلك يزعج البصر ولايجذب نظر الرائي الذي يقلّب بصره على رفوف المكتبات.
في الرواية تخرج “بيلا بكتاش” تتريّض عند تينةٍ بعيدة تتفرّد سفح جبل تزورها العواقر يتلمّسون منها الواسطة لإنجاب الضّنى، وصادف وقتئذٍ أنّ صيّادين كانوا يرمون الحجل ودجاج البريّة برصاص بنادقهم فأصابتها واحدة طائشة أردتها قتيلة..
ومع صفحات الرواية الأخيرة ستُزار عزبة خناصر المهجورة، وستخرج لنا حقائق جديدة كنّا نجهلها، وأولى هذه الحقائق وأهمّها هي أنها: لم تكن رصاصة طائشة تلك التي قتلت بيلا..
صدرت الرواية عن دار الآداب عام 2019 وتقع في 295 صفحة من القطع المتوسط وهي بالمجمل رواية جميلة أضعها في قائمة أجمل قراءات هذا العام.
أخيراً أودّ الإشارة إلى أنّ الكاتبة “لينا هويان الحسن” اتهمت الروائي المعروف “خالد خليفة” (باستعارته) شيئاً من روايتها في عمله (لم يصلّ عليهم أحد)، وهنا أودّ الاشارة إلى أنّني لم أقرأ رواية (لم يصلّ عليهم أحد) المنحولة جزئيّاً (على رأي الكاتبة لينا) من روايتها موضوع المراجعة، وإن كنتُ وضعتُ روايته تلك على أجندة القراءة. وسأكتبُ -بعون الله- مراجعةً لها، ثمّ منشوراً آخر يقارن العملين ويدرس نقاط التشابه -إن وجدت- دراسة متأنيّة. وسأحاول أن يكون ذلك قريباً جداً بعون الله.
- ليست رصاصة طائشة تلك التي قتلت بيلا
- لينا هويان الحسن
- دار الآداب