لائحة رغباتي

مراجعة رواية “لائحة رغباتي” للروائي “غريغوار دولاكور”

الآن، وبعد انقضاء فترة الانبهار الأول بالرواية، أجد في نفسي استعداداً لأغامر بالقول أنّ هذه الرواية جديرة بأنّ تُفرض على طلاب أكاديميات الأدب وفن الرواية على الأخص.
على قصرها هي رواية عظيمة جداً ومنطلق عظمتها قدرة الكاتب على تصوير نفسية المرأة بطموحها وفرحها، بأحزانها ومآسيها، آحلامها ومخاوفها، وتهوّرها واحباطها…

اخترت هذه الرواية عن غير قصد، لفت نظري عنوانها الجميل، وكاتبها الذي لم أقرأ له مُسبقاً رغم حماسي لقراءة عملٍ أدبيٍ لكاتبٍ مثل (دولاكور) الذي بدأ رحلته الأدبية بعد الخمسين من عمره، وهنا أذكّر نفسي وإياكم أنّ العمر لا يقف حجر عثرةً امام عجلة الإبداع والانجاز، فلا يلجم قلمكم المبدع ظنّكم أنّ العمر ولى!

أعادت لي رواية (لائحة رغباتي) نهمي للقراءة بعد فطامٍ قسري عن الكتب جملةً واحدة ولّده عندي قراءة كتاب (وعاظ السلاطين) للمتذاكي (علي الوردي)، والذي ظننته كتاباً غنياً فرأيته غثاً لا غاية له سوى الكذب على الناس والتاريخ، وقد نُسِيَ الكتاب بعد أن أراح الله الناسَ من كاتبه عام 1995، لكنّ الفَسَدة وشياطين الإنس وإن نامت الفتنة لاينامون، فأيقظوها بإعادة طبع الكتاب وترويجه، وقد وجدتُ كثيراً من الناس يهللون للكتاب دون قراءته، ولو أنّهم قرؤوا مقدمته لكان حسناً ولكنهم لايفعلون.
وبعون الله سأكتب عنه مراجعةً غنيةً تضع الكتاب في حجمه الطبيعي الذي يستحق.

إذن؛ أعادت لي رواية (لائحة رغباتي) نهمي للقراءة، وقرأتها بتمهّلٍ واضح مستمتعاً برتمها الفرنسي البطيء، وشخصياتها المفرطة في العفوية والبساطة، وقد أحببتها حبّاً دفعني لأعرّفكم عنها ضمن النقاط التالية:

بطلة الرواية جوسلين غيربيت (47 عام)، تدير حانوتاً للخياطة ولوازمها. تعيش مع زوجها (جوسلن) العامل في أحد المصانع حياةً مملة، ورغم أنّهما كثيرا الانتقاد لبعضهما، لكنّهما متحابّان ويعترفان بهذا الحب كل حين..لهما ابناً وبنتاً (رومان ونادين) تركا بيت الأهل ليعيشا منفردين في مدينة بعيدة، مايزيد الضغط النفسي على الوالدين أن علاقتهما مع ابنيهما شبه منقطعة.

تدير جوسلين إلى جانب حانوت الخياطة مدوّنةً باسم (الأنامل العشرة الذهبية)، وقد كوّنت من خلال هذه المنصّة صداقاتٍ كثيرة يمدونها بالكثير من رسائل الدعم والتشجيع، وتبادل الخبرات وربما الهموم الحياتية أيضاً..

تثير صديقتا جوسلين المقرّبتين حماسها لشراء بطاقة (لوتو/يانصيب) وتستشعر بحدسها الصادق أنها ستفوز، وبالفعل تتحقق نبوءتها فتفوز بالجائزة الكبرى وقيمتها أكثر من 18 مليون يورو..

تخشى (جوسلين) أن تتبدّد حياتها المستقرة، وخاصةً بعد أن أعلمها مدير البنك والأخصائية النفسية أنها ستواجه منذ الآن الكثير من المحبين الخلبيّين، وسيحاول البعض بناء صداقات معها، وغنيٌّ عن القول أنّها صداقاتٍ مزيفة لا تهدف إلا الاستغلال المادي لا أكثر. فتخفي خبر فوزها عن الجميع بما في ذلك زوجها وابنيها، وتخفي الشيك في المساحة الضيقة بين قدمها وحذائها.

لا أحرق لكم الأحداث إن قلت لكم بأن زوجها سيكتشف أمر الشيك وسيسرقه منها، لكن بقية الأحداث متروكة لكم لتقرؤوا الرواية وتطلعوا على بقية التفاصيل المؤثرة.

يوصلنا الكاتب بسرده الجميل إلى حقيقة نعرفها وننكرها، وهي أنّ المال لا يجلب السعادة، ومغترٌ برأيه من قال أن السعادة والمال صنوان، بل على العكس قد يجلب المال تعاسةً لصاحبه لم يكن يتوقعها، الرواية – وبشكلٍ غير مباشر- تناقش قضية السعادة وهناءة الحياة من منظور الرضا بما نملك وما نقدمه لأسرتنا وأصدقائنا..

الرواية مكتوبة بنفسٍ بطيء يشبه الأجواء الفرنسية الهادئة، والشخصيات كلها بطيئة التفاعل وفاترة لكنها مشوبة بإحساسٍ يؤثر في نفس القارئ ويشد اهتمامه، وهي في مجملها عفوية محبّبة وقريبة من النفس.

أحببتُ الملحق الذي وضعه الكاتب في دبر الرواية وأوضح فيه تأثّره بالبطلة (جوسلين) التي اختلقها أصلاً، وصارت تحرّكه بدل أن يحركها، واستذكر أمه وزوجته وابنتيه، الكاتب هنا أثّر بي كقارئ ب الكم نفسه الذي أثرت بي روايته، كان صادقاً في مشاعره يحكي لسانه عن قلبه دون مواربة أو مغالطة، شعرت به وكأنّه يجلس عند قبر أمه يحدثنا عن مآثرها ويبكيها في آن.. ما أجمله وأصدقه من كاتب!.

الترجمة أكثر من محترفة، أبدع المترجم (معن عاقل) في نقل الرواية إلى العربية، ورغم أنّني لا أقرأ الفرنسية؛ لكن الجمل العربية وتعبيرات المترجم بديعة ويكفي أن ترجمته أحسنت في نقل مشاعر الكاتب وهذا يكفي. ويؤخذ على دار النشر أن أهملت اسمه على الغلاف ووضعته في مكانٍ لا تصل إليه العين بسهولة.

صدرت الرواية عن المركز الثقافي العربي / الدار البيضاء، وتقع في 175 صفحة من القطع المتوسط، وهي رواية غاية في الجمال؛ أتمنى منكم جميعاً تعديل قائمة القراءة لديكم لتجعلوا من هذه الرواية على رأس القائمة.

  • لائحة رغباتي
  • غريغوار دولاكور
  • المركز الثقافي العربي