قتلت أمي لأحيا

مراجعة رواية قتلت أمي لأحيا للروائية والإعلامية اللبنانية مي منسّى

تتجه الكاتبة مي منسّى في روايتها الأخيرة قتلت أمي لأحيا لتوظيف واستلهام طاقاتها الأدبية والفنية المتعدّدة، وبهذا المنحى يجد القارئ نفسه أمام بنيةٍ قويّةٍ ومتماسكة يؤكّد خصوصيتها، كما تساعد القارئ على إثارة إشارات الاستفهام، وطرح الأسئلة المرجأة التي تتولد تباعاً أثناء القراءة.

لاتنسجم طبيعة هذه الرواية مع القرّاء الأغرار لأسبابٍ كثيرة أهمها: أنّ الكاتبة تسعى في هذا العمل إلى تحطيم مبدأ (الإيهام بالواقعية) وإرساء مبدأ آخر من جماليات التلقي هو الحفاظ على يقظة القارئ وصدمه وتحفيزه بشكلٍ متكرّر على التساؤل والدهشة؛ وهي تقنيّةٌ سردية يستصعبها المقبلين على الكتاب والقراءة للمرة الأولى.

تحكي القصة سيرة أجيالٍ أربعة (وهي الخطوة الأولى لتحطيم الواقعية، فمن يقدر على الإدلاء بكل تلك التفاصيل الدقيقة عن أجيالٍ أربعة يفصل بين أولهم وآخرهم أزيد من مئة عام وإن اختلفت الألسن الراوية للحكاية!!). رشا اليانعة المصابة بالتوحّد هذا المرض الذي يضعها في حياةٍ شبه زائفة، بغير هوىً ولا هواية، حياةً جامدةً دون طعم، لكنها لاتلبث أن تتحرّى ماضٍ عاشه أهلها وتكتشفه على لسان جدّة أبيها سلمى فصارت تدوّنه حتى أدمنت الكتابة؛ وهنا منطلق الحكاية ومنبع دهشتها الكامنة في البحث عن جواب تساؤلٍ دائم: إلى أين نزحت تلك الأيام الهنيئة؟!.

في الرواية شخصيات عديدة فاعلة ومحرّكة للحدث منهم: سناء أخت رشا المتمرّدة على أعراف البيئة الريفيّة التي ترى العيش فيها استنقاعاً في وحول السخف والتفاهة وأنّ الحياة الحق تكمن في المدينة وفي العمل التطوعي فركنت إلى منح وقتها وحياتها للمهجّرين الفلسطينيين والتحقت بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. الجدّة سلمى والتي أجد فيها محور العمل وشخصيّته الرئيسة، ثم فارس والد رشا وسناء الذي عانى يُتماً من ناحية الأب، والتخلّي ناحية الأم، والفراق من ناحية الزوجة، ثم الصلف والعقوق من ناحية البنات؛ فجمع الزمن عليه صنوف البلايا والرزايا حتى صارت الحياة بالنسبة إليه أشبه بالحمّى الرابضة في نُقيّ العظام. وغيرهم كثير ممّن تزدحم بهم الرواية، كخليل وسهام وابنتهما هلا صديقة سناء، والجدّ يونس الذي فُقد أيام سفربرلك، والمُزارعان يوسف شيبوب وأنيس الكيرواني اللذان امتهنا زراعة حشيشة الكيف ثم أولادهما أمين وكريم، وهدى التي هربت بعدما قُتل زوجها على يد أخيها، ولا تدرجهم الكاتبة لمجرّد الحشو والتعدّد، بل تقولبهم في مناخٍ روائيٍّ مُشتركٍ فيما بينهم تغلب عليه القتامة والسوداوية.

شخصيّاً أجد في شخصية المعلم ماجد مزرعاني المُوفد إلى قرية عين الشمس وعلاقته بحبيبته نسرين التي حملت منه بعد ليلةٍ صاخبة في تخشيبة صيّاد، ما أثار حفيظة عشريتها التي قتلتها وجنينها بعدما آثرت هذه النسرين كتم اسم حبيبها ماجد صوناً لروحه من أن تزهقها يد العشيرة التي ترى في الحبّ العلني عورة، ثمّ ادعائه العنّة كإجابةٍ جاهزةٍ عن سبب عدم زواجه، ثم قتله ببندقية صيد واتهام تلميذه فارس بالجريمة. أجد في هذه الحكاية تحليقاً آخر في الرواية يمنحها نسقاً وحياةً عارمةً بالحراك والمخادعات والمصائب الفادحة.

بيئة الرواية ريفيةٌ محض، وتركّز الكاتبة على ارتباط المرء بأرضه ووحدته معها، وأنّ الأرض رديف الأنا والذات، وتكرر كثيراً هذا المعنى وتؤكد عليه، ولهذا التأكيد دورٌ هامٌ في الكشف عن طبيعة الشخصيات ذاتها التي تتقلّب بين التمرّد على المألوف والراهن والنمطي من ناحية، والتمسّك بالعادات والتقاليد القروية من ناحيةٍ أخرى.

يغلب على لغة الكاتبة التكثيف والجِدّة، وأقصد بالجِدّة التأكيد على رفض كلّ تعبيرٍ غير جماليٍّ، أو لايستند إلى أصولٍ فنية تخدم الرواية؛ ومن هنا نرى أن الكاتبة أكثرت من استخدام التعابير التي يحسبها الغافل عاميّةً وهي في حقيقتها مفرداتٌ عربيّةٌ فصيحة من مثل: ينكشون الأرض، اندارت عليه، عالمي الجوّاني، اندعكت، يتدافشون.. وغيرها كثير من هذه التراكيب التي تزيد الرواية رنيناً لغوياً جميلاً، وتساعد القارئ على الانخراط في لجّة فضائها القرويّ الرحب.

صدرت الرواية عن دار رياض نجيب الريّس عام 2018، وتقع في 396 صفحة من القطع المتوسط، وقد أُدرجت في القائمة الطويلة لجائزة البوكر عام 2019، ولو كانت لجنة التحكيم مُنصفة، ولم يسارع الموت إلى الكاتبة مي منسّى عامئذٍ؛ لرأينا الرواية -بالتأكيد- على منصّة التتويج.. وتستحق.

  • قتلت أمي لأحيا
  • مي منسّى
  • دار رياض نجيب الرّيّس