مراجعة رواية “سرير الأسرار” للروائي “البشير الدامون”
🔞 ملاحظة أوليّة: أخشى أن هذه الرواية -وكذا هذه المراجعة- لاتناسب كل الأعمار، فاقتضى التنويه..🔞
إذا كان خير طيب المرأة الحشمة والحياء، فإنّ هذه الرواية تأخذنا إلى عوالم لاتفوح منها إلا أصنان العهر والرذيلة، وتكشف لنا انحراف شريحة عطنة من مجتمع القاع حيث يتقلّب أفراده في أوحالٍ من الخلاعة والضلال.
بطلة الرواية فتاةٌ صغيرةٌ رقيقةٌ، هشّةٌ بيضاء ناعمة، كأنها زهرة القطن، لكنها زهرةٌ تفتّحت في ماخور، وعندما أينع صباها وأثمرت أزهارها الطرية ورأى الرجال رمّانتين على الشجرة بدأت أيديهم تمتدّ لقطافها وبدأت معهم أحداث الرواية، فقرأتها وكتبت لكم عنها النقاط الآتية:تنطلق أحداث الرواية من دارٍ للبغايا اسمها (الدار الكبيرة)، تديرها امرأة اسمها (مما زاهية)، وعلى باب الدار تجلس (يطو) العجوز الخبيرة التي تقبض المعلوم من أرتال الداخلين الذين يهون عليهم أن تتلف أموالهم في طلب اللذة والمجون.
في ليلةٍ قمراء ساكنة طرق بابهم مشرّدٌ يتخذ من المقابر مأوى، وأخبر (مما زاهية) أنه رأى رضيعةً مرميّةً بين القبور، وسألها أن تتبنّاها وتتعهدها بتربيةٍ قويمة لعلها تكفّر بذلك عن ذنوبها؛ وافقت (مما زاهية) وأقسمت أن تجعل من هذه الرضيعة فتاةً صالحةً لا تدنّسها خطيئة ولا نقيصة.
تشبّ الفتاة ووصمة (الدار الكبيرة) الغارقة في الرذيلة تلاحقها أينما ارتحلت، فتعافها البنات ويستنكف عن صحبتها الناس باستثناء جارة لهم اسمها (مما رحمة) وزوجها (سي الأمين) وابنتهم (سعيدة) الذين كانوا لها أهلاً في غياب أمها المتكرر إلى السجون ومصلحة الآداب.
حرصاً على الفتاة وحبّاً بها تلقّنها (مما زاهية ورحمة) درساً في الشرف والعفاف، فتجلبان لها بيضةً في طست وتقلبانها بين أيديهما وتخبرانها أن شرف البنت كهذه البيضة، قشرتها رقيقة رهيفة اذا انكسرت فسيندلق أحّها ومحّها ولن ينجبر الكسر بعدها بالمطلق، وستصير بعدها مُضيفةً في (الدار الكبيرة) شأنها كشأن غيرها من الفاعِلات التاركات اللواتي خلعن أبداً لبوس العفّة والفضيلة.
ترتاب الفتاة من هذا الوصف العجيب فتعيش بخوفٍ مستحكم على بيضتها الطرية، يزيد خوفها كثرة الراغبين بها من حولها من السّكارى والشمّامين والشبّان المتجهين بخطىً ثابتة نحو الصعلكة. وفي هذا الحين -وقد طرقت الفتاة أبواب ريعان الشباب- تتعرّف إلى (جميل) وهو شابٍ مهذب خجولٌ تعلو سحنته طلعةً بهية، ويصير أن يتبادلا أحاديثَ متفرقة حول كتب الأدب وأخبار الحي وشيئاً قليلاً عن الحب، فتتعلق به الفتاة أشدّ ما يكون التعلق وترى فيه حبيباً وزوجاً مُستقبلياً وتخبر أمها (مما زاهية) و العجوز الخبيرة (يطو) عن مكنون قلبها وحبّها لهذا الفتى الوسيم، فتنظران إليها شذراً وتنصحانها بالابتعاد عنه وتحاشي مجالسته ما أمكن!!.
تستهجن الفتاة هذا الموقف منهما وتصرّ على اللقاء به، فتأخذها (يطو) ذات مساء إلى سقيفةً متوارية في زقاقٍ بعيد، وتُجلسها هناك في الظلام البهيم وتطلب منها أن تنظر إلى بيتٍ قريبٍ بين الأحراش يرتاده شبابٌ صفيق؛ وترى بينهم حبيبها (جميل) وهو يرقص لهم على أنغامٍ يغنونها وهم يترنّحون بسُكرهم، وتطاله أيديهم العابثة بالتحرّش والقرص الماجن، وهو يستعذب لهم من الحركات ما يزيد فضولهم إليه ورغبتهم به، حتى بدؤوا يتناوبون على ظهره الأملط جاعلين من عجيزته مطيّةً لهم، حتى قام إليه إمامهم وشيخ طريقتهم وانقضّ عليه كالحصان المجنّح، وكل ذلك وحبيبته ترى ولا تصدّق عينيها وتلطم وجهها وكأنّما أحلامها الوردية قد ديست بفردة حذاء.
حتى الآن لم أكشف لكم أسرار الرواية، ففيها بقيةٌ باقية من أحداثٍ وتفاصيلَ كثيرة تشدّ القارئ، تدير هذه التفاصيل والأحداث شخصياتٌ كثيرة جداً مثل: علي الأخ غير الشقيق لمما رحمة والذي اختاره الكاتب ليختم معه الرواية، وقد استحسنت من الراوي هذا الاختيار لأن علي هو الشاب الوحيد في الرواية الذي خلت حياته من جريرةٍ بشعة، وسرطحا المدّعي الذي يهوى صبّ الزيت على نار المشاكل، والفقيه احنانا، وشرمون وشرمونة، سلطانة بنت الكبران ومساعدها شالالا الذين يسرقان الناس بلعبة الجورنال، العمة والمهداوية، ومصطفى الأحمق السكير وحبيبته نسرين، رقوشة، والشاطو الذي يتناوب مع ابنه ارتياد دار الرذيلة، وكارمن الاسبانية التي تركت بلادها وجاءت للفرجة على احتضار حضارة العرب، وطيما والضبّ والضبّة والموكا والأخوين عمر وعزوز الذين اقتتلا لأجل فتاة، والطنطانية، وليور الذي يبيع لحم الكلاب ومحاولاته الزواج من ثوريّة رغماً عنها، وحمادي وتزتز ومليكة واكريمو الحردون والنينيو وعمار البيراطا وعائشة الكحلة التي تدير ماخوراً آخر وتعادي مما الزاهية معاداة أهل الكار لبعضهم، فتبعث رجالها لاختطاف الفتاة لفقش بيضتها وإرغامها على البغاء، والرواية وحدها تكشف لكم ان حققت هدفها أم لا.
كثرة الشخصيات مثلبة في هذه الرواية، ويصعب على الكاتب الفذ جمعهم في تركيبةٍ روائيةٍ واحدة، وهنا يضطر الراوي لاعتماد المفارقات والتقاطعات والقفز بين الشخصيات المتنوعة لكسر الرتابة أولاً، ولإيهام القارئ أنه امتلك ناصية الحدث ثانياً. والواقع أنها محاولات فاشلة عند القارئ المتمرّس الذي يكتشف بغير معين أنّ الرواية تفتقد عمادها الأول ألا وهو الحبكة. وددتُ لو أنّ الكاتب اقتصر على الشخصيات المحورية ثم عمل على تطوير بناءها مع فصول العمل، بدل أن يختلق لنا شخصياتٍ جديدة تملأ الفراغات بأحداث هامشية.
مع كل هذه الشخصيات وأسمائها المروّعة تبقى الفتاة -بطلة الرواية- بلا اسم، كأنها نكرة بلا هوية وهو تلميحٌ جذاب من الرواي، لكن يُؤخذ عليه تأطيرها بقالبٍ لم يتغيّر طيلة العمل ودون أن نكتشف تغييراً يطرأ على شخصيتها رغم ما يطوف حولها من أفعالٍ ناشبة ومُهلكة، ودون أن تبادر هي في أحدوثة، بل أبقاها تتفاعل مع أحداث الرواية بردّات الفعل لا أكثر.
قد يرى بعض القرّاء في الرواية إساءةً لمدينة تطوان المغربية الجميلة التي احتوت أحداث العمل، الواقع أن الكاتب – أي كاتب- غير ملزم بمديح المدينة أيّاً كانت، هو يكتب عن مستنقعٍ نتنٍ فيها، ويسلط الضوء على مجتمعٌ ضحلٌ يوجد فيها كما يوجد في أي مدينةٍ أو تجمع بشري على هذا الكوكب، فعليه لايُلام الكاتب ولايعني أنه لا يحبّ مدينته ولايراها -مثلنا- فراشةً زاهيةً مرهفة..
قرأت في موقع (Good.reads) تعليقاتٍ لبعض القرّاء الذين أبدوا انزعاجهم من محتوى الرواية (الداعر!)، أتساءل بدوري لمَ اشترى “أنصاف القرّاء أولئك” الرواية من أصله وعنوانها وصورة غلافها وإضاءة الناشر على غلافها الأخير كل ذلك يشي بمضمونها!! هل توقعوا مثلاً أن يجدوا فيها ديوان الأعشى أو مقدمة ابن خلدون؟!
نأتي الآن إلى أجمل مافي الرواية… لغة الكاتب، أقف إجلالاً أمام قلم هذا الرجل وسعة اطلاعه وغزارة قاموسه من المفردات والتراكيب الجميلة. لغته مطواعة ودقيقة ويأتي بالأوصاف من حيث لا يتوقع القارئ فتنزل محلها من الجملة فتزيدها بهاءً و جزالة. فبحثت في حياة الكاتب فوجدته خرّيج كليات الحقوق والآداب وأصول الدين فزال عجبي. فمن يعرف منكم (البشير.الدامون) فليبلغه تحيتي وسلامي..
صدرت الطبعة الأولى من الرواية عام 2008 عن دار الآداب / بيروت، وتقع في 222 صفحة من القطع المتوسط، وهي رواية جميلة تستحق أن أباعد لها مكاناً بين الكتب المرصوفة في مكتبتي، ولكن ليس في الرفّ الأول.
- سرير الأسرار
- البشير الدامون
- دار الآداب