ساحة مريم

مراجعة رواية ساحة مريم للباحثة والروائية السورية أنيسة عبود

إذا كانت تجربة الكتابة عن الحرب ألماً بحدّ ذاته، فإنها تكون ألماً مضاعفاً عند الكاتب المرهف؛ لأنّه لاينكمش على تجربته الشخصية فحسب؛ بل ينشغل بمعاناة مجتمعه، ويحاول -ما أمكن- أن يطرح أمامه أملاً، وخاصّةً عند حلول المصير الغامض وغياب الطريق.

ورغم اتصاف الحرب بالفوضى والعبث، واحتمالها الكثير من الإفراط والشطط عند الكتابة عنها بهدف التأثير بمخزون اللاشعور عند القارئ وإحراز سَطوةً على لوحته النفسية الداخلية، فإنّ رؤية الراوية “أنيسة عبود” في روايتها ساحة مريم جاءت خالية من التطرّف والمغالاة والمبالغة، بل جعلت تنقل واقع الحرب كما عايشه الناس بيومياته المشحونة بالتوتر والاضطراب والإحباط وانكسار الاحلام.

تحكي الرواية قصة الكابتن الطيّار حسن الذي نُودي خطأً إلى خدمة العلم الاحتياطيّة رغم أنّ عمله يعفيه من هذه المهمّة، فيتنقّل الرجل بين إداراتٍ عسكريةٍ عدّة قبل أن ينتهي به المطاف إلى مطار الطبقة العسكري، وهناك يكابد مع صديقه سنان حرباً ضروساً تولج فيهما عجزاً يرمّد ماتبقى عندهما من طاقة الشباب..

في الرواية يقع حسن أسير مليشياتٍ مسلحة مختلفة ومتطرّفة ومتصارعة فيما بينها، ويقابل أخاه الشيخ/الأمير عماد الذي يقود فيلقاً دينيّاً مسلحاً ويُفتي بين الناس على هواه وبما تقتضي به مصلحته الشخصية ومصلحة معاونيه!!

وخلال تنقلاتٍ سرديةٍ ذكية تتناول الكاتبة مكابدةً أخرى للمواطن السوري والعربي عموماً غير الحرب وأهوالها يمثّله بطل الرواية حسن وهي الهجرة إلى مايحسب أن يجد عندهم الأمان والحياة الكريمة فيقع كغيره من المهاجرين فريسةً لأهواء تجّار البشر من المهرّبين، ثمّ أصحاب البلد الذين لاتوعز قوانينهم تجاه المهاجرين بالطمأنينة والمستقبل الواعد.

في الرواية شخصياتٌ عدّة لكلّ منهم قصة ومعاناة: سلمى أخت حسن التي تخلّت عن شهادتها وصارت تعمل خادمةً لكسب رزقها، رشاد صديق حسن الذي امتلك محل فلافل في ميونخ، عهد وسمير أصدقاء حسن وشركاؤه في النُّزل، شام حبيبة حسن المُختطفة والتي افتتحت الكاتبة روايتها برسالة هاتفية من شام إلى حسن تقول له: انتظرني.. وهنا تضع الكاتبة مفارقة رائعة بافتتاح الرواية ببصيص أملٍ قبل أن تتناول العمل بحديث الحرب الباعث على الألم والفواجع وهي إشارةٌ ذكية إلى أنّ الأمل بالنجاة حاضرٌ أولاً مهما كان الحال مغمّساً بالأسى وسوء الحال.

أحببت في الرواية نقاط عدة أوجز بعضها بالفقرات الآتية:

  • أحببت صراحة الكاتبة وحياديتها، فقد أشارت إلى خساراتٍ عدّة تكبّدها الجيش السوري رغم استعداده التام للمعركة، على سبيل المثال ما حصل في مطار الطبقة العسكري وعدّت ذلك لغزاً بدون أجوبة..(ص 99 -100).
  • أحببت التنقلات السردية السريعة والتلاعب بأحجية الزمن دون أن يقع القارئ في متاهة التسلسل الزمني للأحداث.
  • أحببت المكاشفة الصريحة وتعرية ما عدّه بعض المتوهّمين بأوروبا بأنّها مملكة العدل والحرية، حيث فنّدت الكاتبة الحقيقة التي تنتظر الناس هناك، مع بقاءها على الحياد وتناول الإيجابيات أيضاً دون تقصّد تخطيها.
  • أحببت الإشارة اللطيفة إلى العمل الروائي الأول الذي صدر للكاتبة (النعنع البرّي) من خلال اسم الفرقة الموسيقية التي اعتزم سنان وأصحابه تأسيسها.
  • لم تأتِ الكاتبة على ذكر أسرةٍ واحدة متماسكة، بل لانجد حضوراً مُريحاً للأسرة في الرواية، وهو تناولٌ عبقريٌّ من الكاتبة لأنّ الحرب تقسم العائلة الواحدة كما تقسم الوطن، والحروب تطحن الخلية الأولى التي ينشأ منها المجتمع لتسلبه قدرته على الدفاع عن نفسه، وذلك من خلال التفرقة بين الأخوة والأبناء والآباء فيما بينهم، وهذا ديدن المراوغين الأوباش صنّاع الحروب.

صدرت الرواية عن الهيئة العامة السورية للكتاب عام 2022، وتقع في 480 صفحة من القطع الكبير، وهي بذلك رواية ضخمة لكنها تستحق الاقتناء والقراءة، ورغم جوّها المشحون بضجيج الشقاء والبؤس البشري لكنّها في النهاية تذكرك بأنّك تمتلك حياةً تستحق أن تُعاش..

  • ساحة مريم
  • أنيسة عبود
  • الهيئة العامة السورية للكتاب