رقصة النصر

مراجعة رواية رقصة النصر للروائي التشيلي أنطونيو سكارميتا

سواءً كنتَ قارئاً متمكّناً أم مُبتدئاً ستعجبك هذه الرواية، والواقع كنتُ متيقّناً من هذه النتيجة قبل الشروع بالقراءة طالما أنّ بين يديّ عملاً لأنطونيو سكارميتا الذي تُفلح رواياته دائماً بالاستحواذ على إعجابي منذ مُفتتحها حتى النهاية، قرأتُ له جُلّ أعماله ولا أذكر أنّني قيّمت واحدةً منها دون الأربعة نجوم.

سيسمع القارئ في هذه الرواية صوت الحاكم دون أن يكون حاضراً بشخصه، نجده في الظلم والفساد المتجذّر، في الأحكام التعسّفيّة والقرارات الجائرة، نجده في نظرته الدونيّة إلى الشعب المقموع الذي يعامله معاملة القطيع، ولاينهمك حاكمهم الديكتاتور إلا في حلبهم وجزّ أصوافهم!!

وفي مثل هذه الأنظمة لابدّ للسّجن أن يكون حاضراً، سانحاً أمام الوجوه المُتعبة، سنسمع في الرواية صريف الأبواب وصرير المزاليج وقرقعة أقفال الزنازين الموصدة دون حريّة الأبرياء.

في الرواية يُصدر رئيس دولة تشيلي قراراً بالعفو العام عن السّجناء، فيشمل هذا القرار لصّين، الأول هو أنخيل سانتياغو الذي حُكم لمدة سنتين لسرقة حصان، والآخر هو لصٌ عريقٌ في مهنته اسمه بيرغارا غراي.

يستشعر مأمور السجن أنّ آنخيل سانتياغو سيقتنص فرصة إطلاق سراحه ليثأر لنفسه من كل أيام البؤس التي قضاها في السجن ومن المأمور نفسه الذي كان يضربه بأغلظ عِصيّه ويغتصبه كل ليلة!! فأوكل المأمور إلى أحد القتلة المساجين مهمة تصفية آنخيل سانتياغو كي لايبقى هو ذاته مُهدّداً بالتصفية كلّ حياته. في هذه الأوقات يلتقي آنخيل بالشابة المفعمة بالحيوية فيكتوريا التي قُتل أبوها لمناهضته النظام الحاكم، وطُردت هي من مدرسة الباليه لأنها لم تعد قادرة على دفع الأقساط، وتنشأ بينهما قصة حبٍّ صادقة تدفعه للوقوف بصفّها ومساعدتها للعودة إلى المدرسة.

أمّا بيرغارا غراي فيحاول عقب خروجه من السجن العودة إلى حياةٍ طبيعيةٍ خاليةٍ من المشاكل وإصلاح الصدع الذي حصل في علاقته الأسرية خاصةً بعد أن أهملته زوجته وابنه كل سنوات سجنه.

يلتقي آنخيل وبيرغارا غراي ويتيقّنان أنه بانعدام المال لايمكنهما مواصلة الحياة التي يخططان لها؛ فيتّفقان على أنّه لا ضير من ضربة العمر وهي سرقة بيتٍ ضابطٍ ثريٍّ. يحسّنان بذلك وضعهما، وتتفتّق إثر ذلك براعم السعادة في حياتهما المنشودة. فهل تنتهي الرواية نهايةً سعيدة؟! هذا ما أتركه للقارئ لاكتشافه.

أحداث الرواية متصالبة؛ يُفضي بعضها إلى بعض، تتعاضد البدايات والفصول والغايات ليصير نسيج الرواية واحداً متكاملاً، ولغة الرواية تصويريةٌ بسيطة، وكم تمنيت لو كنت أتقن اللسان الإسباني لأقرأ الرواية باللغة التي كتبت بها وذلك لكثرة ما قيل عن اللغة الشاعرية التي استخدمها الكاتب، تلك اللغة التي انحاز إليها سكارميتا انسجاماً مع رقص الباليه ورهافته، وتحدّياً (أو استخفافاً) بثيمة الفساد الواضحة في النص.

يوشك الكاتب أن يجعل القارئ يشكّك بثوابته وهذه مهارة لايستطيعها أغلب الروائيين؛ سيجعلك تتعاطف مع اللصّ وتتمنى أن يُفلح في السرقة، كما يجعلك تتمنى له سهولة الفرار من العدالة وأن يظفر بكلّ المال الذي حلم به. وسيقدّم الكاتب رؤيةً جديدة -وأحسبها صائبة وفقاً لتخميني- حول الديكتاتورية وذلك على لسان فيكتوريا التي قالت: “الديكتاتورية هي الجميع” وهذا حق؛ فلولا سكوت الشعب الخانع أمام الظالم، واصطناع الفرح رهبةً من الحاكم الجائر لما تمادى في ظلمه وجوره، ولكنّ الشعوب تصنع جلّاديها.

صدرت الرواية عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع عام 2019 وتقع في 381 صفحة من القطع المتوسط، وبترجمة ماهرة وسلسلة من المترجم عبد السلام باشا، وهي رواية رائعة، بل أكثر من رائعة، هي -وبعيداً عن المبالغة- أفضل عمل روائي مُترجم قرأته منذ ثلاث سنوات مضين. وتستحق عن جدارة نجومها الخمس.

  • رقصة النصر
  • أنطونيو سكارميتا
  • دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع