مراجعة رواية خرائط التيه للكاتبة بثينة العيسى
كنتُ قد قرأت للكاتبة “بثينة العيسى” عملها “قيس وليلى والذئب”، ولم أجد فيه سوى السطحية الأدبية والإسفاف الذي جعلني أزهد بأعمال الكاتبة زمناً وكتبت ذلك في مراجعةٍ سابقة، لكنّ صديقاً أُقِرّ بذائقته الأدبية نصحني بعملٍ لها اسمه “خرائط التيه”، فقرأت الرواية على محمل المجاملة، وأنا مستيقنٌ أن هذه الرواية على وجهٍ واحدٍ من عملها السابق، لكن ومع الصفحتين الأولين قلت في نفسي أنها كاتبة جيدة، وفي منتصف الرواية كذّبت رأيي الأول وأقررت ببراعتها، وفي نهاية الرواية قدّمت الكاتبة البراهين الدامغة على أنها واحدة من سيدات السرد الرفيع. وإليكم تفصيل ذلك:
في الحكاية: يزور فيصل وسمية بيت الله الحرام بقصد الحج مصطحبين معهم ابنهم مشاري ذي السنوات السبع. في صحن الطواف يبتعد أبو مشاري عن زوجته وولده قدر شوطين، وسمية تطوف رفقة ابنها. ساعتئذٍ وبسبب الزحام الشديد تتفلت يد الصغير من يد أمه ويفترقا مسافةً صغيرةً تتسع رويداً وعينها لاتفارقه وتناديه صياحاً بأن يمشي مع تيار الناس وألا يفكر بالعودة نحوها كي لا يعترض سبيل الطائفين فيسقط أرضاً ويدوسه السيل البشري الجارف. ثم يختلط صوتها مع أصوات الملبّين ويحول بينهما موج الناس فتنعدم الرؤية ويضيع الصغير وتغشى الحيرة في قلب الأبوين مطارح السلوان ويدخل عمريهما في تاريخٍ طويلٍ من العذاب بحثاً عنه دون جدوى.
تكشف كاميرات المراقبة المزروعة في الحرم أن امرأةً تخدّره وتخطفه وتخرجه من الحرم مستغلّةٍ الإزدحام وكثرة المقبلين والمدبرين من الأبواب، وما يبدّد شكوك رجال الأمن أنّهم لايجدون في منظرها شيئاً غريباً يقتحم العين من كثرة مايرونه من نسوةٍ يحملن أطفالاً، فتخرج به إلى الضواحي حيث تنتشر العصابات وهناك تلتقي بجرجس زعيم عُصبة اللصوص الذي يرى في هذا الطفل الكويتي الأبيض منجم ذهب يجدر به حُسن استغلاله.
تمضي أحداث الرواية برشاقة وسهولة، وتعززها الكاتبة بعواطف قوية مهتاجة، مرةً تجاه الأبوين المكلومين، ومرةً تجاه الأطفال المخطوفين المُعدّين للقتل والاتجار بأعضائهم، وفي هذا كله لايجد القارئ في عينيه إلا دمعةً تترقرق وتهمّ أن تنحدر من فرط التعاطف مع البراءة المعذّبة.
يهدف هذا النوع من الروايات إلى التأثير المباشر في القرّاء وكثيراً ماينجح. وقد عالجت الكاتبة روايتها بحسب ما فرضته طبيعة النص، مع توصيفٍ دقيقٍ لمشاعر الأبوين؛ فنجد أمامنا روايةً شديد التماسك، ومواقف تولّد انطباعاً سريعاً في وجدان القارئ، وأحداثاً مُثقلة بالأسرار تجري بإيقاعٍ سريعٍ وحزين لا تدع للقارئ فرصةً إلا وتثير مخيلته وتدفعه لكشف المزيد من غموض الحكاية.
كتبت “بثينة العيسى” روايتها “خرائط التيه” بكثيرٍ من العواطف التي تثور وتغلي لتستفزّ القارئ لدرجة أنها تُذيب فولاذ تماسكه فيدمع أو ينحب، وتوظف ذلك كله في معالجةٍ نفسانيةٍ واضحة للشخصيات الرئيسة. ولتوضيح هذه النقطة أقول: جعل الله المصائب للإنسان ليعالج بها خسّة نفسه ودناءتها، فيراجع تصرفاته ويمحوَ طيش طبعه وسوء أخلاقه، لكن حمقه -أحياناً- قد يورده موارد أشدّ حدّةً فيزداد طيشه وخبله فتكون هذه هي مصيبته الحق لا تلك. وهذا ما كان من فيصل أبو مشاري، الذي اضطرب بعد الفجيعة وأنكر على الله تعالى أن يمتحنه مثل هذا الإمتحان الصعب فترك الصلاة جملةً، ولفظ ألفاظ الكفر البواح وخسر تأدّبه في جناب الله تعالى. على عكس ماكان من زوجته سميّة التي قرّبتها المصيبة من ربّها لدرجة أنها (تدروشت) وصارت ترى الله وحكمته في كل شيءٍ وفعلٍ يخرج من هذا الكون.
والحقيقة أنهما مثالان يصيران مع كل الناس في الفواجع، فمنهم من ترديه المصيبة في فراغٍ ميتٍ يخسر بها عقله وحياته وأقرانه، ومنهم من يمضي متماسكاً متعقّلاً يواقع المصائب ويقتحمها حتى يجد لها حلاً، وإلا فإنه يتعلق بالأمل والصبر حتى يُخيّل إلى الناس من صلابته أنه الأسد. وهنا تتبدّى مهارة الكاتبة في توصيف طبائع الشخصيات كلاً بحسب موقعه في الرواية وما أخرجته هذه المصيبة من أوعية نفوسهم الحزينة.
عند النظر الدقيق في بنية السرد يكتشف القارئ النبيه خطأين كارثيين لايجدر بروائيةٍ متمكنة مثل بثينة العيسى ارتكابهما، الأول: استخدمت الكاتبة أسلوب السارد الذي يحكي القصة عن بعدٍ وبحياد لكنّها وفي صفحتين من فصلين مختلفين كتبت بلسان المخاطب دون أن يكون ذلك موظّفاً ضمن حوار ( الصفحتين: 274, 367، الطبعة 2)، ثم أعدتُ قراءة هاتين الصفحتين فلم أجد لتصرّفها هذا داعٍ سرديٍّ، كما أنه لا يلوّن النص بإيقاعٍ جديد.!
الثاني: أساءت الكاتبة لواقع القصة بوضع مصادفةٍ لا هدف لها أصلاً، وهي باختصار: كان الطفل مشاري أسيراً عند أفغانيٍ يغتصب طفولته كل ظهيرة، وبقيا على هذا المنوال ثمانية عشر يوماً، ثمّ ولسببٍ ما قرر الأفغاني التخلص من الطفل في كهفٍ قريب، وعند خروجهما صوب الكهف جاء إلى البيت من يبحث عن الطفل ويضع منشوراً عنه على الباب!! ما هذه الصدفة العجيبة؟ لو أنهم وصلوا قبل أو بعد خروجهما بدقيقتين لتغيرت المجريات كلها!! هذه المصادفة أجدها وأتقبّلها من الكتّاب الأغرار، أما من الكاتبة المخضرمة فلا.
صدرت الرواية عام 2015 عن الدار العربية للعلوم ناشرون، وتقع في 405 صفحة من القطع المتوسط، وهي بالمجمل رواية رائعة، وبعد تفكيرٍ مليٍّ قررت منحها خمس نجومٍ رغم النقيصتين السابقتين، لأنّ مجمل الرواية وإيجابياتها يجُبّ ما دونه.
- خرائط التيه
- بثينة العيسى
- الدار العربية للعلوم ناشرون