خبر عاجل

مراجعة رواية “خبر عاجل” للكاتب الناقد نضال الصالح

أعترف بدايةً أنّني أقدمت على هذه المراجعة وأنا أعلم أنّني أغامر، إذ أنّ الكتابة عن روايةٍ لشيخ النقّاد “نضال الصالح” الذي درّس مادة النقد الأدبي في جامعاتٍ عربيةٍ لأكثر من ربع قرن، تشبه كثيراً خوضي لُجج البحر وأنا لا أملك من العتاد إلا مركباً صغيراً، فرأيت أن أغامر وأخوض هذه التجربة لكن دون أن أبتعد عن الشاطئ.


إنّ الانطباع الأول الذي ارتسم في وجداني خلال وبُعيد الانتهاء من الرواية إيجابيٌ جداً، ذلك أنّني لم أقرأ، ومنذ زمنٍ بعيد، عملاً ينصف مدينة حلب ويعطيها حقها مثل هذه الرواية، فكان إمّا أن يتعالى الكاتب على مدينته، أو يشوّه حاضرها ويدّعي زيفاً ما ليس فيها، أو يقلب صفحات التاريخ حتى إذا وقعت يده الآثمة على نقطةٍ سوداءَ فيه ركّز عليها وجعلها تيمة الرواية ومحور أحداثها. والأمثلة على هؤلاء كثير ومن غير اللائق ذكر أسمائهم في مراجعةٍ لروايةٍ كتبها كاتبٌ شريف اليد والقلم أنصف مدينته وقال فيها قول الحق والعدل.
استطاع الكاتب نضال الصالح أن يلتقط مَوَرَان المجتمع السوري خلال الحرب التي عاشتها البلد ابتداءً من عام 2011، وما ابتلاها من أجواءَ اغترابيّةٍ أنست العالم ماضيها المشرق وجعلته ينظر إليها من خلف نظارةٍ سوداء. لكنّ الكاتب، وفي متن الحكاية، يستحضر أمجاداً ماضية، ويجلي أوهام الواقع، ويكشف زيف العلاقات ويُسقط الأقنعة عن الوجوه الوطنية المخاتلة.

في الرواية تتوالى على رأس “أحمد” البلايا، فبعد أن يرفض مشرفو دور النشر مسودة روايته ويمنحوه عليها تقييماً سلبياً ورفضاً مُبرماً بالنشر، يغبنه ابن متنفّذٍ حكوميٍّ حقّه في أن يكون مُعيداً في الجامعة فيتخلّى “أحمد” عن دراسته الجامعية جملةً ليلتحق بخدمة العلم ويقع فرزه في مدينةٍ أخرى، وهنا يبرز دور خطيبته اللطيفة “جُمان” التي تراسله بأخبارٍ عاجلة تعلمه بها أحدث التطورات العائلية والميدانية التي ترزح تحتها أسرته ومدينته، ولظرفٍ بها فإنّها لاتحرمه من خبرها العاجل اليومي الودود وهو “عاجل: أحبك”..


في خطٍ موازٍ يبرز دور الأديب الناقد “هشام” الذي يصحّح ويُنقّح ويصوّب بتعليقاته وهوامشه ما يطرأ في سرديات “أحمد”، ولهشام هذا قصةٌ تُحكى خلال الرواية؛ وفيها يلتحق بخدمة العلم الاحتياطية ويعيش قصة حبٍّ جارفة مع خطيبته جمان. لكنّها قصّةٌ أخرى وجمانٌ أخرى.


للشاعر المتنبي حضورٌ رمزيٌّ جميل، فهو يزور بطل الحكاية ويعزّز في دمه نبضات الإبداع بعد أن كادت تتماوت من فرط البؤس والخذلان، ويجري بين الرجلين حواراتٌ غنية، ويأخذه مرّةً إلى قاعة العرش في قلعة حلب ليجالس في بلاط سيف الدولة قاماتٍ في الفلسفة والعلوم واللغة والأدب.


يستخدم الكاتب تقنية سردية جديدة لم أعهد مثلها في كتب الأدب، وهي إضافة هوامش يسميها الكاتب “خارج المتن/ داخل الحكاية” وظّفها في تنمية عمليات الاكتشاف المعرفي لتاريخ المدينة وحضارتها، والواقع أن الكاتب ارتقى بهذه الهوامش بإيقاع البعد الدرامي للحكاية وأحسن توظيفها، وقدّم للقارئ من خلالها وجبةً غنيةً لملمَ فيها شيئاً ممّا تبعثر وتشوّه من تاريخ المدينة بفعل الأيادي والضمائر الملوثة بالدم.


صدرت الرواية عن دار الآن ناشرون وموزّعون / الأردن، وتقع في 200 صفحة من القطع المتوسط، وهي رواية جميلة لا يمكن عدّها رواية حرب بقدر ما هي رواية عن الفرح والحب والحرية، وهي علامةٌ فارقة في دروب إبداع أبناء حلب؛ إذ أنصفت الرواية هذه المدينة وأعادت إليها شيئاً من بهائها، حلب.. مدينتي التي لازالت تضحك وتتزيّن رغم الجراح.

  • خبر عاجل
  • نضال الصالح
  • الآن ناشرون وموزعون