مراجعة رواية ثورة المخمل للروائية السورية كلاديس مطر
تقدّم الروائية كلاديس مطر في روايتها ثورة المخمل مناخاً يقترب من الأسطورة ولكنه يصهر الأحداث جميعها ليذكّرنا بالحاضر النازف الذي نعيش، وإذا كانت المهمّة البنائيّة والدلاليّة للرواية أن تجذب القارئ وتدفعه إلى متابعة القراءة؛ فقد نجحت ثورة المخمل في هذا الواجب تجاه القارئ، وقدّمت له تعليلاتٍ فنية لمعايشاتٍ يومية تمرّ به وبمجتمعه.
تبدأ الرواية دون إطارٍ زمانيٍّ ومكانيٍّ دقيق رغم إشارةٍ عابرة بأنّها ربما حدثت في بلاد الشام في ثلاثينيّات القرن الماضي، وتنسج الكاتبة قصتها مع شخصياتٍ مُقنعة ومتقنة الصنع: جاد الحق الموظف الحكومي الشحيح، وزميله في العمل عبد الودود، وصديقته البغيّ الفاجرة بلقيس التي يزورها في كرخانتها في شارع لالاعايدة، الأب فريد راعي الكنيسة والذي يكتم إلحاده وبُعده عن الله ولا يُسارر بقناعاته هذه إلا أخلص المقرّبين، وآرون بن ليفي الموسوي قائد أبناء الصحراء الذين عاشوا تيهاً طويلاً في الفيافي ورؤوا في وادي الرماد أرض الميعاد التي وُعِدوا بها، وصدر الدين حاكم أرض الميعاد، وهو شخصية إشكالية جداً، يُرى في بعض المواقف أنّه خائنٌ لأرضه وشعبه، ويُرى في مواقف أخرى أنّ همّه الأوحد سلامة شعبه ووطنه.
في حبكة الرواية: يُحاصر أبناء الصحراء وادي الرماد حقبةً من زمنٍ تسترخي معها مقاومة الأهالي بعد قتالٍ غير متكافئ، ثم يرضى صدر الدين بالتفاوض، ويحصل بين القائدين لقاءٌ تاريخيٌّ فسّره بعض الأهالي على أنّه هزيمة وآخرين بالانتصار.
ولكنّ الحرب لم تنتهِ إلا بعد أن قدّم صدر الدين تنازلاتٍ جمّة لقائد الصحراويين بخصوص الميناء والتجارة ومياه الشرب.
يقارن القارئ بين هذه الأحداث وما يجري مع مكابدات الدول العربية مع الكيان الصهيوني لتكون إسقاطات الرواية واضحة وجليّة، وأنّ المفاوضات المتكرّرة وإن تنكرت بلبوس الانتصار ولكنها في الواقع تمهيداتٌ لاحتلالٍ أكبر وأقسى وهو الاحتلال الثقافي الذي يغرّب المجتمع عن تاريخه وطبائعه وحضارته. وهو بظنّي الداع الاول لاختيار الكاتبة اسم روايتها “ثورة المخمل”.
نجد في النص تلميحات بالغة الذكاء من مثل:
عندما أوصى صدر الدين بأن تُدار كل مكبرات الصوت التي تزهج بالأغاني التراثية باتجاه مناطق القتال وتواصل بثّها ليل نهار، أرى في ذلك إشارة إلى مقولة عبد الله القصيمي بأنّ (العرب ظاهرة صوتية)، وأنّ بطولاتنا -على قلّتها- قولية شكلية لاترقى للفعل والإنجاز. واختيار الاغاني التراثية يُفسّر على كوننا لانزال في أسر الافتخار بإنجازات الأقدمين.
بعد حلول السلم عاد سيرك وادي الرماد إلى نشاطه المعهود وبتوسعةٍ أكبر، وأرى فيها إشارة إلى تركيز مجتمعاتنا على الملاهي دون اعتبارٍ لأهمية البُنى التحتية اللازمة لإقامة مجتمعٍ متطور.
عند إعلان الوحدة مرّ موكبٌ عجيبٌ من الديناصورات في فسحة الوادي، وهي على عادة العرب تلميحٌ إلى حجم الكذبة التي تمثلها هذه الوحدة.. هذه وغيرها من الإسقاطات والإشارات التي تومئ لمعايشاتٍ يوميّة في نضال الشعوب العربية أمام الكيان الص.هيوني.
إذا صحّت منّي هذه الاستنتاجات فإنّ الكاتبة كلاديس مطر تقدّم رسالةً إلى شعبها بأنّ الوطن سيكون بلا معنى إن خلا من ثقافته وحضارته، وإنّ الانحرافات المستمرّة في العادات والتقاليد و استيراد ثقافة الغير تجعل منّا ألعوبةً تحرّكها الأيدي الخفيّة العليا.
صدرت الرواية عن دار عقل عام 2020، وتقع في 200 صفحة من القطع المتوسط، وهي رواية عميقة المدلول تصرخ في وجه القارئ ليكفّ عن منح ثقته للاعبي السيرك الذين يبيعون الوطن بأبخس الأثمان.
- ثورة المخمل
- كلاديس مطر
- دار عقل