بكرا شي نهار

مراجعة رواية “بكرا شي نهار” للروائية “ياسمين حناوي”

لاتزال النفوس المنكوبة التي هشّمتها الحرب تمتهن الحبّ وتعيشه، والآذان التي تنام وتستيقظ على أصوات القذائف والطائرات لازالت تستطيب اللحن الجميل والصوت الرخيم؛ رواية (بكرا شي نهار، أغنية مؤجلة) إصدارٌ جديدٌ لكاتبةٍ شابة تحتفي بالأب وتمجّده. وهي روايةٌ عن الحبّ والحرب، عن الشيء ونقيضه، عن ثنائياتٍ جمعها الهوى ولم تفرّقها نوائب الدهر.
وقد قرأتها بتروٍّ وشغف وسجّلت حولها النقاط الآتية:

تحكي الرواية قصة ثنائيات متحابّة يعتريها ما يعتري العشاق من تردّدٍ وحيرةٍ بين اقبالٍ وإدبار، بين الاصغاء لنداء القلب والرضوخ لأوامر العقل. (سامي) بطل الرواية وساردها الأبرز يحبّ مُدرّسة الموسيقى (سلمى) وهي بدورها تحمل على كاهلها عبئاً ثقيلاً من ماضٍ مؤلم، وتشفق على (سامي) أن تشاطره هذا الماضي وأن ترتبط به رغم السنوات الكثيرة التي تفصل بين عمريهما..

تقتحم (زينب) أخت (سلمى) الرواية من حيث لم نتوقع، وتقدّم ل(سامي) أسباب الإثارة ومسوّغات الشهوة فتطيش من رأسه أحلام الرجال وينزع إلى نزواته نزعاً يشبه السيل الجارف فيواقعها مواقعة الأزواج بعد أن وجد منها لطفاً ولين، وهي بذلك راضيةٌ مُستلذّة، ثم يصحو من ثورته بصدرٍ محزون وينطلق إلى حبيبته (سلمى) يلتمس منها أسباب العطف والسماح؛ فهل تسامحه بعد أن خانها مع أقرب النّاس إليها؟؟.في فصول الرواية الأخيرة تحيد الكاتبة عن معاني الانتصار المرتبطة بالدم والنّار، وتشير بأسلوبٍ مبطّنٍ إلى قوّة الحب والتسامح في إحلال السلام. وأنّ عافية الوطن لا تكون بالقتل والانتقام بل بالعفو والصفح، الذي لولاه لتمزّقت علينا جهات الأرض.

في الرواية أربعة عشر فصلاً اختارت لهم الكاتبة أسماءً مأخوذة من أغنياتٍ للمغنيّة اللبنانية (جوليا بطرس)، وهم: لما التقينا، احكيلي عالسهر، البحر الهادي، وبينكسر هالليل، قالوا مشينا، ع بالي حب كبير، وين مسافر، عم تغفى الساعات، يا أيها الكبار، ربما، وبيمرق إيّام، جاية تودعني، اسودّ الليل، بكرا شي نهار.
جاء اختيار الكاتبة لأغنيات (جوليا بطرس) واقتباس الكثير من مقاطع أغنياتها في الرواية بتوظيفٍ جيد، فالمغنّية تتردّد في أغنياتها بين موضوعين رئيسيين هما الحبّ والمقاومة، وهذا ما نجده مهيّأ أمامنا في أحداث الرواية وتفاصيلها.

الغلاف جميل ومُلفت للنظر، وهو من الأغلفة القليلة التي أعجبتني من إصدارات هذا العام، لكن يؤخذ على المصمّم (ريّان عيّاد الجوهري) إغفال لواء اسكندرون من خريطة سورية، قد لا تعنيه هذه القضية ولا حتى دار النشر اللبنانية، لكنها تعني الكثير للسوريين؛ خاصةً أنّ هذا النقص يقتحم العين فور مشاهدة الغلاف، وهذا الخطأ تُلام الكاتبة عليه دون أن تُحَمّل جريرته بحالٍ من الأحوال، طالما أنّ روايتها مفعمة بمعاني حب الوطن والتضحية لأجله.

يزيد الغلاف لطافةً وجود ما يمكن اعتباره (كلماتٍ دلالية) تشير إلى جوهر العمل وثيماته، وهي بمثابة مفاتيح تقدّمها لنا الكاتبة عند الولوج إلى عوالم القصة.

الكاتبة ماهرة في استنطاق الأماكن وتحبيبها للقارئ، وتستحضر مع كل فصلٍ من فصول الرواية مناطق ومقاهٍ ومطاعم ومتنزهاتٍ متفرقة في اللاذقية، وتستحضر معها أطعمةً ومأكولاتٍ شهيرة وتفاضل بينها؛ هذا ما يجعلني أصرّ على اعتبار المكان جوهراً أساسيّاً في العمل ويزيده مرونةً وحميميّة.

يتكشّف أسلوب الكاتبة السردي عن كاتبة مقال محنّكة، ورغم أنّي لم أقرأ لها غير هذا العمل (في رصيدها روايتين وديواني شعر)، إلا أنّي أعتقد أنها متمرّسة جدّاً في كتابة المقال. هذا ما تكشفه لنا مطالع الأسطر، ونوعيّة الجمل المُستخدمة، وطرق الولوج إلى الحدث أو التمهيد له، وهذه الحالة التعبيرية ذات حدّين فهي قد تسيء إلى الرواية في حال استفاضت الكاتبة في استخدامها إلا أنّها لم تفعل؛ فوقع ذلك إيجاباً في صالح العمل.

كما العنوان؛ فقد جاء النص فصيحاً وعاميّاً، وهو (تكنيكٌ) يُوَفّق إليه كثيرٌ من الكتّاب خاصةً عندما يأتي العاميّ في الحوار الدائر بين الشخصيات، فالعاميُّ يُقرّب النّص لقارئيه ويعينُهم بالفكر والخيال. وقد استخدمت الكتابة المحكية (اللاذقانية) في مستواها الأبسط الدارج الذي تستسيغه الأسماع وتفهمه؛ وهو تصرّفٌ إيجابيٌّ وقع أيضاً في صالح الرواية.

صدرت الرواية مطلع هذا العام 2020 عن الدار العربية للعلوم ناشرون / بيروت، وتقع في 222 صفحة من القطع المتوسط، وهي رواية متعددة المحاور مسبوكةٌ في قالبٍ أدبّيٍ شيّق وواقعي.

  • بكرا شي نهار أغنية مؤجلة
  • ياسمين حناوي
  • الدار العربية للعلوم ناشرون