بريدا

مراجعة رواية “بريدا” للروائي “باولو كويلو”

بريدا فتاةٌ يافعة، تريد الحكمة وتطرق إليها كل سبيل، وهي بهذا تلتقي مع سنتياغو (بطل رواية الخيميائي) في مُرادٍ واحد وهو تحقيق الأسطورة الشخصية. وربما أراد كويلو استثمار نجاحه الباهر في الخيميائي فأصدر بعد عامين روايةً أخرى تتناول الموضوع ذاته. (صدرت الخيميائي عام 1988 ثم اتبعها الكاتب برواية بريدا عام 1990).

وإذا شكّلت رواية الخيميائي علامةً فارقةً في الأدب العالمي وقفزةً صريحةً في مسيرة كويلو الروائيّة، فإنّ بريدا لاتكاد تُذكر، فإذا ذُكرت فبالذم والتغليظ لابالمديح والتقريظ.

وقد قرأتُها في أيامٍ تعلّمتُ خلالها الصّبر على ما أكره، فليس أصعبُ على القارئ الشغوف من أن يلتزم كتاباً لايحبّه، لكنني فعلتُ ذلك حماساً مني لأقرأ أعمال باولو كويلو كآفةً. ولولا أنّني أراوح بين هذه الرواية وكتبٍ أخرى لاحتجتُ حبّةً تحت لساني لأبرء ممّا قد يصيبني جرّاء قراءة مثل هذه الكتب المملّة. ورغم أنّني كنت شديد الإعجاب بالصفحات الثلاثين الأولى لكنني بدأت أفقد ذلك الإعجاب تباعاً في الصفحات الموالية، ولتوضيح ذلك كتبت لكم عُقيب انتهائي منها النقاط السريعة التالية:أخبرتْ بريدا معلّمها المجوسي أنها قطعت كل تلك المسافات لتلتقي به وتتعلم منه السحر، لأنّ السحر سيوصلها لأجاباتٍ عن تساؤلاتها حول الحياة. فسألها المجوسي سؤالاً يدلّ على فطنته وفهمه للحياة؛ فقال لها ما معناه: ماذا لو التقيتِ ذات يومٍ بحبّ حياتك وصرتُ أعلّمك في النهار حكمة الكون، وحبيبك يعلمك في الليل حكمة الحب، ثمّ أتى يومٌ وصار عليكِ أن تختاري إحدى هاتين الحكمتين، فماذا تختارين؟ طبعاً لن أخبركم بجوابها.. لكن يكفي القول أنها كانت صادقةً باختيارها، فوافق المجوسي على تعليمها السحر، فطلب منها أن تتبعه إلى الغابة حيث سيلقّنها هناك الدرس الأول.

مشت بريدا وراء معلمها في الغابة طويلاً، تتبعه دون كلام وقد غلبتها عاطفة حبّ التعلم على كلّ عاطفةٍ سواها، تلتمس من كلام مرشدها المجوسي بارقة الحكمة والصواب، ثم طلب منها البقاء؛ فتركها وحيدةً تتبع بنظراتها الساجية طيفه الزائل بين الأشجار.

باتت بريدا ليلتها وحيدةً في الغابة وقد تركها معلّمها في دُجنةٍ حالكةٍ ليس فيها أنيس، وهي تقلّب نظرها في الأرجاء، وتتناثر من حولها أوراق الأشجار وتطير الرياح بها كل مطار، فإذا جنّ الليل وسكنت كلُّ سابحةٍ في السماء أدركها من التعب مالا يحتمله مُحتمِل حتى سقطت خائرةً لاينبض لها عرق، ولم تستفق من غشيتها حتى انبثق الفجر.

تلتقي بريدا عن طريق متجرٍ متخصّصٍ ببيع كتب السحر ولوازمه وسط مدينة دبلن بالساحرة المتمرّسة ويكا، وتجهد بريدا في كسب رضاها لتعلمها أسرار أوراق التارو وفكّ رموز حروفها الخفيّة، فتنال منها الموافقة بعد لأيٍ وترشدها إلى معرفة رفيق روحها، تماماً كما تعلمت من المجوسي حكمة الشمس التي تُفضي إلى كشف حكمة الحياة من خلال الفضاء والعالم الذي يحيط بنا، وحكمة القمر التي تعتمد الزمن وكل ما تحتبسه ذاكرة الأيام.

تكتشف بريدا خلال مدّة تعليمها علاقةً مريبة كانت تجمع معلّميها معاً (المجوسي وويكا)، وتحاول استغلال علومها الجديدة ومعارفها السحرية والماورائيّة في إصلاح علاقتها بحبيبها (لورانس)، وتكتشف أن الحكمة تعني في الطور الأول عدم الخوف من ارتكاب الأخطاء، وأن يعيش الانسان كما يتمنى رفقة شريك العمر ورفيق الروح، وغيرها من الحكم التي اترك استجلاءها للقارئ.

قد يظن القارئ -بعد قراءته هذه المراجعة- أنّ الرواية عملٌ عظيمٌ يتوجب على جامعات الأدب ونوادي الفلسفة أن تنبري لتعليمها طلاب المعرفة! الواقع أصدقائي غير ذلك، فسقطات الرواية وسلبيتها تطغى على ايجاياتها، وفيها من السفسطة والحشو المبتذل ما ينحدر بها إلى قاع أعمال باولو كويلو، ولو أنّه شذّبها في طبعاتٍ جديدةٍ لاحقة لعدّل القرّاء تقييمهم السلبي لها.

يركّز الكاتب على شأن السحر في الرواية ويؤكد في مستهلّ روايته أنّ تعاليم السحر الواردة في الرواية حقيقيّة ويمكن للقارئ المهتم أن يقتفي أثر بريدا في ذلك ويتعلم سحر أوراق التارو وأسرارها. أرى لو أنّ الكاتب صان قلمه عن هذه الترّهات وجعل من بطلة روايته تتعلم فلسفة الحياة من خلال الحكمة والتجارب اليوميّة التي مرّ فيها الحكيمان لا من السحر والشعوذة وقوى الظلام التي لا يأتي الخير منها، فضلاً عن كونها لاتستقيم مع الخير التي تنشده بطلة العمل؛ فأيّ تناقضٍ هذا !!

صدرت الرواية عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، وتقع في 260 صفحة من القطع المتوسط، وهي بالنتيجة واحدة من زمرة الأعمال الهزيلة لباولو كويلو التي لا أنصح بها.

  • بريدا
  • باولو كويلو
  • شركة المطبوعات للتوزيع والنشر

اقرأ أيضاً للروائي باولو كويلو: الخيميائي ، الجاسوسة ، الزهير ، رامي السهام .