امرأة تجهل أنها امرأة

مراجعة رواية “امرأة تجهل أنها امرأة” للروائي “حنه مينه”

يستطيع القارئ المخضرم أن يقدّر بالحدس اسم الروائي من خلال أسلوبه وقاموس كلماته، ويستطيع، بعد قراءاتٍ طويلة، أن يحزر بالظن والتخمين اسم الكاتب من خلال تأنّق ديباجته اللغوية، وأخذه بمسرىً سرديٍّ يمنحه الفرادة والتميّز.
لكن الأمر مختلف مع “حنّا مينه” لأنّ أسلوبه شديد التميّز، فلا يمكن أن يقاربه أسلوب كاتبٍ آخر أو يشابهه، ما يجعل القارئ العادي أن يحزر اسمه فورَ أن يقرأ شطراً من روايةٍ قد لايبلغ طوله السطور العشرة، فيتنبّه أن كاتبها “حنا مينه” لا سواه. وسآتي خلال هذه المراجعة على بعض مواصفات الأسلوب السردي عند “حنا مينه”.


تعدّ رواية “امرأة تجهل أنها امرأة” من أواخر أعمال الكاتب، إذ صدرت قبيل وفاته بأعوامٍ قليلة (توفي عام 2018 م) وتحكي قصة حبٍّ نشأ بالصدفة بين الصحافي والكاتب اللامع “نمر صاحب” (83 عام)، وامرأة غريبة الأطوار وصفها الكاتب بأنها “ليست داعرة وليست بريئة من الدعر” تدعى “رئيفة وجدان” (42 عام)، حيث يلتقي نمر برئيفة عند الحدود التركية ويخلصها من قبضة رجال الجمارك التركية الذين كادوا يصادرون كل بضاعتها، فينمو بينهما حبٌّ متسارع وهنا تبدأ الحكاية..


يزور الصحافي اللامع “نمر صاحب” برفقة صديق عمره “فهيم الليث” قريته “السويدية” مسقط رأس أسلافه التي تركها وهو بعمر ثلاث سنوات، والهدف من هذه الزيارة مراجعة شجرة عائلته وبناء أواصر القربى التي انقطعت، والتعرّف إلى الشباب الجديد من (آل صاحب)، لكنه يكتشف انعدام الخدمات في القرية فيتركها إلى منطقة أخرى وهنا ينقطع الكلام نهائيّاً عن السويدية وآل صاحب وفهيم الليث، وينتقل الكاتب إلى قصة الغرام اللاهب الناشب بين نمر ورئيفة، وكأنّنا انتقلنا هنا إلى عملٍ روائيٍ مختلف تماماً بأماكن وشخوصٍ جديدة، وقد كرّر الكاتب هذا الأسلوب في نوفيلا قصيرة له اسمها (عاهرة ونصف مجنون) أكتب مراجعةً عنها في وقتٍ قريب..


لا نجد في الرواية نموّاً للحالة النفسيّة لكل شخصية لكن الكاتب يغوص في سمة الحب، وحالته، وصفته، عند شخصيتي الرواية، والفوارق بينهما، ونظرتهما إلى الحب بوصفه مزيجاً من المشاعر (العاطفية، والجنسية). فنمر صاحب الثمانيني يشفق على رئيفة التي تتعنقد حولها رغباتٌ من شبقٍ محموم وهو لايستطيع -بحكم العمر- تلبية طلبات السرير الذي يجمعهما. و”رئيفة وجدان” الأربعينية التي تصارع العمر الذي بدأ ينهش جسدها وتحاول أن تثبت -لنفسها اولاً- أنها لاتزال جميلة ومطلوبة في نظر الرجال، ماجعلها ترفض أن يقدمها “نمر صاحب” إلى أصدقائه بكونها مديرةً لأعماله فحسب..


استخدم الكاتب (وهذه عادته) جُملاً قصيرة جداً وسريعة جداً، مترابطة ومتلاحقة لاتكفّ عن جذب انتباه القارئ وتحفيزه للمتابعة. نلاحظ في أسلوب الكاتب أيضاً تقطيع الجمل التي يراها طويلة بفواصل تشطرها ليجعلها جملتين إمعاناً في هذا النهج الذي يحرص عليه في سائر أعماله. ولتسريع السرد يستخدم الكاتب أسلوب حشر المترادفات اللغوية ضمن السياق، فإذا ظنّ القارى أنه انتهى من الجملة جاءته مرادفة تابعت له ماكان يقرأ، أو فسرته، أو أكّدته.. وهكذا حتى يجد القارئ نفسه في دبر الصفحة ورأس الصفحة التالية يطلبه بمترادفه جديدة. وسأضع لكم في نهاية المراجعة مقتطفاً من الرواية يوضّح هذا الأسلوب الممتع.


لايعدّ “حنا مينه” كاتباً ساخراً، لكنّني أجد السخرية جليّةً في أعماله، وهي سخريةٌ نابعة من واقعٍ أسود، وعيشٍ مريرٍ مُرهق، و”مينه” من كتّابٍ قلّة جعلوا من الفقر المدقع في مجتمعهم مادةً للتنكيت والاستهزاء، ونتائج الفقر المتوارث تنعكس على شخصيات الكاتب وأفعالهم، وحديثهم ونجوى أفكارهم.


لا تحمل الرواية نهاية مُدهشة، لكنّ القارئ سيشتاق لأبطالها، وسيكشف الكاتب في أواخرها عن وجوه جديدة لأبطاله، وطيبة نفوسهم وصفاء طويتهم رغم الشرور الواضحة في أفعالهم خلال متن الرواية.


صدرت الرواية عام 2008 عن دار الآداب / بيروت، وتقع في 224 صفحة من القطع المتوسط، وهي رواية جميلة، وأجمل ما فيها أسلوب الكاتب اللطيف.


☆ مقتطف من الرواية:
بعد انصراف المرأة التي فضحتها، ران السكون على البيت ،
أخت والدها حاولت تلطيف الجو، قالت لنمر وهي إلى جانبه:
《على كل حال رئيفة ستتزوج قريبا!》 لم يعلق، لم يرد، لم
ينزعج حتى، لكنه في طريق العودة إلى الفندق، رفض إلا أن
يعود في سيارة أجرة، وفي جناحه ابتسم ابتسامة إشفاق، على
نفسه، وعلى رئيفة، وعلى المصير الذي انتهت إليه، مستخدمة
الكذب الخلبي، الذي لا ينطلي على من يعرف النساء في
شجاعته، وفي تقحمه، وكذلك في الاحتيال الذي سببه
الرجل وسطوته، أما نكران الجميل، والقضاء والقدر، فإنهما
يأتيان في السياق! الحيرة، التردد، ضياع الهدف، تؤدي كلها
إلى الهوان، ومن يهن يسهل الهوان علیه «فما لجرح بميت
إيلام ! » رئيفة مثل القمر، في حالة كسوف، وليس حولها من
يقرع النحاس، كما كان الناس يفعلون قديما ، كي يترك الحوت
القمر، فيعود إلى إشراقه في الليلة الظلماء، جاءت إلى نمر
تطلب ثلاثمئة دولار، كي تستأجر سيارة تقودها بنفسها !

  • امرأة تجهل أنها امرأة
  • حنا مينه
  • دار الآداب