مراجعة كتاب “الوجود والعدم” للكاتب “شتيفان كلاين”
تسمح لنا الطبيعة بالاطلاع على قوانينها من ناحية، ولكنها تمنعنا، من ناحيةٍ أخرى، من كشف لعبتها. وإنّ في الكون والأرض ظواهر تحيط بنا ستظلّ خارج نطاق حساباتنا وقدرتنا على تفسيرها، وأنّنا كلما عرفنا أكثر عن الواقع بدا لنا-هذا الواقع- أكثر غموضاً!!
في كتابه (الوجود والعدم) مرّ الكاتب “شتيفان كلاين” ابتداءً على النظريات التي تفسّر وجود الماء على الأرض كونه أساس الحياة وسببها الأول، وفنّد أخطاء تلك النظريات وسذاجتها، واعتبر أنّ وجود الماء على الأرض هو بحدّ ذاته تحدّياً حقيقياً للعلماء والبشرية جمعاء. وطالما استعصى تفسير هذه الظاهرة (ظاهرة الماء) فمن الراجح أن تبقى كل النظريات الأخرى المتعلقة بالحياة مجرد فرضيّاتٍ وتكهّناتٍ يخترعها الإنسان لملئ هذا الفراغ من العلم.
يعرّج الكاتب أيضاً على النظرية النسبية ويذكّر بأنّ حصول آينشتاين على جائزة نوبل عام 1922 لم يكن بسبب نظريته النسبيّة بل لأجل كشف العلاقة بين الطاقة وتردّد اهتزاز الضوء؛ ذلك أن غالبيّة أعضاء لجنة التحكيم في استوكهولم اعتبروا حينها أنّ النظرية النسبية (أمرٌ مسرفٌ في الخيال، وأمرٌ مربكٌ أيّ ارباك) على حدّ قولهم، حتى أنّهم أصدروا التوجيهات لأينشتاين ألا يتحدّث عنها في خطاب شكره للأكاديمية الملكية السويدية. لكنّه حينما علم بهذه التوجيهات توجّه إلى اليابان لإلقاء المحاضرات؛ وهكذا فإنّه لم يتسلم جائزة نوبل شخصيّاً أبداً.
يؤكد العالم “كلاين” أن معظم تنبّؤاتنا تفشل لأنّ الكون خلاق ويفاجئ الجميع، وضرب مثالاً على ذلك إعصار “لوتار” الذي أزهق حياة العشرات وكانت نتائجه كارثية رغم أنّ علماء الطقس ينجحون عادةً بما نسبته 70% من أحوال الطقس، ولايعزو ذلك إلى “أثر الفراشة” الذي أثاره العالم “ادوارد لورينزو” في إحدى محاضراته عام 1972؛ بل لضعف العقل البشري في فهم الكون فهماً دقيقاً.
يتناول الكاتب مفهوماً فلسفياً عن حقيقة وجود الكون من عدمه (وهي فكرة الكتاب وأساسه)، ويوضّح نظريته بالمطرقة والإبهام، فالمطرقة الحديدية تكون عادةً ثقيلة الوزن وتؤلم الإنسان إن وقعت على إبهامه مثلاً، وفي الوقت ذاته وبكونها مادة فهي مؤلفة من نواة وإلكترونات وهي في حقيقة الحال معدومة الوزن!! إذاً فكيف للمطرقة المؤلفة من مكونات متناهية في الصغر لاوزن لها أن يكون لها كتلة حقيقية ووزناً ويمكنها أن تؤذي إصبعنا إذا ما هوت عليه!!
يقول الكاتب: ” إنّ وراء أفق الكون المرئي يختفي كونٌ أكبر بمئتين وخمسين مرة على أقلّ التقديرات، فلو كان الكون محيطاً من المحيطات فالواقع أنّه لم يصلنا منه سوى قطرة واحدة فقط، وطالما أنّه يواصل التمدّد فإنّ عوالمه ستبقى غير مرئية حتى بالنسبة إلى أحفادنا”.
يفرد الكاتب فصلاً سريعاً لمناقشة فرصة وجود كوكب يشبه الأرض تماماً في هذا الكون الوسيع، ويؤكد باستخدام علم الاحتمالات أنّ فرصة وجود هذا الكوكب تصل إلى نسبة 99,9% في مجرة درب التبانة وحدها، وهذا معناه أنّنا لسنا وحدنا في هذا الكون، وهو لاينتظر من “ناسا” أن تثبت له هذه الحقيقة كونه وصل بها إلى حدّ اليقين. ومن هذا المنطلق يعتبر أنّ (نظرية المصادفة) في تفسير الحياة على الأرض تخرج عن حيّز التصديق، إذا لا يمكن لذي عقل أن يرى كلّ هذه الدقة التي تبدأ من أصغر الجزيئيات وانتهاءً بأكبر الكواكب والتي تضاهي مئات المرات حجم شمسنا وكلها في حركةٍ ونظامٍ دؤوبٍ لايختل ثم ينسب ذلك لمجرد المصادفة البحتة!! ثم يعدّد أسماء علماءٍ كثر شاركوه في تبنّي هذه الحقيقة والاعتراف بها ومنهم عالم البيولوجيا الجزيئية “جاك مونو” الحائز على جائزة نوبل في الطب.
صدرت الطبعة الأولى من الترجمة العربية عام 2020، عن دار أطلس للنشر / دمشق. وتقع في 226 صفحة من القطع المتوسط. وترجمه عن الألمانية ضياء النجار. وهو بالمجمل كتاب غني يناقش أبرز القضايا العلمية بفكرٍ فلسفيٍّ واضحٍ وعميق.
- الوجود والعدم
- شتيفان كلاين
- دار أطلس