الهارب

مراجعة رواية الهارب للروائي الروسي فالنتين راسبوتين

إن قراءة أعمال فالنتين راسبوتين تشبه إلى حدٍ ما المغامرة بلعبة الروليت الروسية، إذ لايمكن لأحدٍ التكهّن بما سيؤول إليه الحال في الخطوة التالية/الصفحة التالية..

استطاع الكاتب راسبوتين إثارة أفكارٍ فلسفيّةٍ ومصيريةٍ عدّة من قصةٍ بسيطةٍ تخلو من التعقيدات والتحشية الدرامية غير الفاعلة. ففي الرواية يهرب المجنّد أندري غوسكوف من فرقته العسكرية جُبناً بمواصلة القتال وشوقاً لأسرته وزوجته التي لم يُنجب منها بعد زواجٍ دام أربع سنوات. لم يكن لهروبه خطّةً مدروسة، بل جاء اعتباطاً وليد اللحظة عندما وجد الفرصة سانحة للهروب من المستشفى الذي أُسعِف إليه بعد إصابةٍ تستوجب العلاج.

عند وصوله تخوم القرية تريّث دخولها وأجفل ممّا قد يوصمه به أهل القرية من الجُبن والضعف وخيانة الوطن، فبات ليالٍ في كوخٍ متهالكٍ كانت تتردّد زوجته إليه عند ذهابها لصيد سمكٍ أو قطاف ثمر، فالتقيا فيه وحكى كلٌّ لصاحبه ما مرّ به في الأيام التي ولّت واطمئن أندري لصحة والديه وأنهما حيّان يُرزقان. وصار يلتقي اندري بزوجته ناستيونا في هذه الكابينة المتداعية مرّةً أو مرتين كل أسبوع وكانت تجلب له ما يقيم أوده ويدفئه في صقيع الريف السيبيري الضاري.

حتى هذا الموقف لانجد في الرواية تشويقاً مُجدّاً، لكنّ حمل ناستيونا وتكوّر بطنها وخشيتها من اتّهام الناس لها بخيانة زوجها حمل الرواية إلى منحىً أشدّ تشويقاً وبدأ يطرح على الزوجين (والقرّاء) أسئلةً صعبة:

– هل يُجهضا الجنين صوناً لسمعة زوجته الطيبة من ألسنة الناس السليطة؟ وهما اللذان تشوّقا إلى الضنى بصبرٍ كتيمٍ أربع سنوات!!
– هل تحتفظ بحملها وتترك الناس تلوك سمعتها وربما طردها حموها من البيت بعدما أساءت لسمعة الدار التي تأكل من خبزه؟
– هل يخرج أندري إلى الأهالي ويُفهمهم بأنّ الجنين ابنه، ويقرّ بهروبه وماسيترتب جرّاء ذلك من السجن والعقوبة والتصاق الصيت الزنخ به وبأولاده من بعده؟
– والسؤال الأهم: لِمَ ترك فرقته العسكرية إذا لم يثمر هروبه عن مجالسة أمّه وأبيه والتمتّع بحريّته؟!

كل هذه الأسئلة المصيرية بحث الزوجان عن إجابةٍ لها، وخلال ذلك انتهت الحرب وأُعلن النصر، لكنّ الفرج الذي ظّنه الزوجان أنه جاء لهما هديةً من الرب، كان له وقعٌ كارثيٌّ على حياتهما، يزيد على ذلك أن يحصل ما لم يتوقعه القارئ ولن أكشفه هنا بل أترك اكتشاف كنهه لكم، والاستمتاع به، والتفكّر بالموقف المُستحدث وكيف سيجد راسبوتين حلاً له مع قفلة العمل.

ولد الكاتب السوفييتي فالنتين راسبوتين (2015- 1937) في أقصى الشمال الروسي، في قريةٍ مستلقية على نهر أنكارا النابع من بحيرة بايكال (ابحثوا عن صور النهر والبحيرة لتعرفوا الطبيعة المدهشة التي عاش فيها هذا الرجل)، وبقي الكاتب وفيّاً لمسقط رأسه فجاءت مجريات كل أعماله الأدبية في الريف السيبيري القارس، وعليه فقد عدّه النقاد سيّد النثر الريفي الروسي في العصر الحديث.

للعلم -أخيراً- فإنّ اسم رواية الهارب بالروسية هو (تذكّر ما دمت حيّاً)، وهذا من عجائب الترجمات؛ إذ كيف يسمح المترجم لنفسه تعديل العنوان أو تغييره كليّاً، وهل كان ذلك برضى المؤلف أو ورثته، ثم كيف سيثق القارئ بترجمة الرواية طالما بدأ المترجم بالتعديل المزاجي غير المقنع انطلاقاً من العنوان!!

صدرت الترجمة عن دار رادوغا العريقة عام 1982، وتقع في 253 صفحة من القطع المتوسط، وبترجمة موفقة من خيري الضامن، وأعني بموفّقة أي من حيث سبك الجمل وتخيّر الألفاظ والاعتناء بسهولة وصول الفكرة إلى المتلقّي، لكن دون أن أحدد مدى وفاء المترجم للنسخة الأصل فهذا يخرج عن نطاق مقدرتي.

  • الهارب
  • فالنتين راسبوتين
  • دار رادوغا