مراجعة رواية النطع للروائي العالمي جنكيز أيتماتوف
في مسار الرواية الروسيّة علاماتٌ على الطريق، ولاخلاف أنّ رواية النطع للروائي القرغيزي الكبير جنكيز أيتماتوف إحدى هذه العلامات.
يقدّم الكاتب في روايته النطع عملاً واضحاً جليّاً غير مثقلٍ بالأسرار والألغاز والفلسفة العميقة على عادة الأدب الروسي، وينصبّ اهتمام الكاتب بالدرجة الأولى على اللحظة الحاضرة مع وفرة المادة التاريخية والموازنات والمقابلات المستمرة بين الماضي والحاضر وهو الذي يمنح الرواية مغزىً وثراءً فنّياً وأدبياً.
يفتتح الكاتب روايته بقصة زوجٍ من الذئاب يقيمان وِجَاراً يسكنان فيه مع جرائهم الصغار الذين يظنّون أن حياتهم منذورةً للعب والهناء؛ لكنّ وجود الإنسان وجشعه قطع لديهم كل أملٍ بدوام السعادة، ويمضي من الرواية خمسون صفحةً ليس فيها من الشخصيّات إلا أسرة الذئاب هذه ومعاشهم ومواجعهم المستمرة مع الإنسان والتي ليس أقلّها موت الجراء الثلاثة جرّاء قصفهم من طائرات الهيلوكوبتر.
آفدي كاليستراتوف بطل الرواية الأبرز، وحصل أن طُرد من الكنيسة بسبب ما اعتقدوا أنّه هرطقةٌ في فكر الرجل الذي يمتلك فلسفةً خاصةً به فحواها أنّ الله هو الشكل الأسمى للضمير والرحمة، وأنّ المزايا الإلهيّة الخيّرة ينبغي أن تنعكس على إرادتنا.
وبعد طرد آفدي من الكنيسة يعمل في صحيفةٍ محليّة وصار له من القرّاء عددٌ كبير، ثمّ يقرر أنّ يُخالط سُعاة جمع الحشيشة (أزهار شُجيرة القنّب) وذلك للتعرّف بشكلٍ مباشر على هذه التجارة وأسرارها وفضح تجّارها، وكيف لهذه النبتة أن تمتلك القدرة على اجتذاب الشباب وجعل فراقها مُنهكاً لهم.
يتتبّع آفدي حركة سعاة جمع الحشيشة ويتوغّل في مناطقهم وينخرط في صفوف واحدة من هذه العصابات التي يترأسها شخصٌ يُدعى سام، وهو من سوء طويّته يُرغم شبابه من أعضاء العصابة على تدخين الحشيشة وإدمانها لتكون استجابتهم عمياء له وحده وليس لنداء العقل والحكمة. يحاول آفدي تقديم النصح والإرشاد لأعضاء العصابة وهي سذاجةٌ منه، لكنه يكتشف متأخراً أنّه يزرع بذوراً في أرضٍ بوار فيكتشف السُّعاة مرامه فيكبلونه ويرمونه من قطارٍ سريع لكنّه يفلت من قبضة الموت بأعجوبة.
يعرّفنا الكاتب على بعض أسرار زراعة الحشيشة وكيف ينتظر السُّعاة شهراً من عامٍ حيث تتفاوح الأزهار ويطير غبارها في الأجواء، فيأتي السعاة يركضون عراةً بين شجيرات وزهور القنّب حتى يعلق من غبارها شيءٌ كثيرٌ على أجسادهم المُتعرّقة، ثمّ يكشطونه ويجمعونه ليصير على شكل معجونةً من مخدرٍ يشتمونه أو يعالجوه بطرقٍ أخرى إعداداً للتهريب.
يظنّ القارئ أنّ استفتاح الرواية بقصة الذئاب دخيلةً على الحكاية، إلا أن الكاتب وفي ثلث الرواية الأخير بربط الأحداث ربطاً بديعاً يجعلني أعدّه واحداً من أعظم أطوار صناعة الرواية العالمية. وفيه -دون حرق- يسرق أحد الجشعين جراء الذئبة (وهم جراميزٌ ولدوا لها من بطنٍ ثانيةٍ) ليبيعهم لحديقة الحيوان فتتبع الذئبة رائحتهم حتى تصل إلى عمران البلدة وهناك تعوي مع زوجها كل ليلةٍ عزاءً وطلباً للثأر، ويغدران بالرعاة ويقتلان قطعاناً كثيرة، لكنّ ثأر الذئبة الأخير يأتي صادماً مروّعاً مع نهاية الرواية.
يضع الكاتب قرّاءه أمام مفارقةٍ لأفعال الإنسان الكالحة وتبرّؤه من جملة العوامل التي تجعل من المرء إنساناً والتي يبرّر فيها لنفسه القتل والتدمير؛ وبعد ذلك يعجب من الضواري إن ردّت إليه القساوة بالمثل وهي المجبولة أصلاً على التّصيّد والافتراس.
صدرت الرواية عام 2009 عن دار علاء الدين وبترجمة محترفة من الدكتور ماجد علاء الدين المتخصّص بالترجمة عن الروسيّة، وتقع في 514 صفحة من القطع المتوسط. وهي من الروائع العالمية التي تعرّي مرض الإنسان وميله العارم إلى الحيازة والتملّك والتي تجنّب فيه كل فضيلةٍ ليحلّ محلها الوخم والخبث والمكر.
- النطع
- جنكيز أيتماتوف
- دار علاء الدين